خطاب مرسي في طهران بين التحريف والتجاهل


 خطاب مرسي في طهران بين التحريف والتجاهل

د. هيثم مزاحم
صحيفة البلد - الخميس 6 أيلول 2012 11:57

أثارت بعض وسائل الإعلام العربية ضجة حول تحريف التلفزيون الإيراني الترجمة الفارسية لخطاب الرئيس المصري الدكتور محمد مرسي، أثناء قمة عدم الانحياز التي عقدت في العاصمة الإيرانية طهران الأسبوع الماضي. هذا التحريف مدان ومرفوض سواء أكان اجتهاداً شخصياً من المترجم أم بأوامر من هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية، وهي تتبع للمرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، وبالتالي فإن مسؤولي الهيئة من المحافظين. ويجب على الحكومة الإيرانية أن تحاسب المسؤول عنه وتعتذر لمصر والرئيس المصري عنه إذا ثبت فعلاً.
خطاب مرسي في طهران بين التحريف والتجاهل

وفضلاً عن كون هذا العمل الطائش والساذج قد أساء الى ايران وقمة عدم الانحياز، فانه يعكّر صفو العلاقات المصرية – الايرانية التي يحاول الرئيس مرسي والقيادة الايرانية استئنافها وتطويرها بما يخدم مصالح الدولتين ومصالح الأمة الاسلامية جمعاء.

وكانت ايران قد استقبلت الدكتور مرسي بحفاوة بالغة، خصوصاً أنه أول رئيس مصري يزور ايران بعد قطيعة استمرت لنحو 32 عاماً. ومعلوم أن طهران تحاول منذ نحو عقدين استئناف العلاقات مع القاهرة، وقد قدمت تنازلات عدة خلال المفاوضات بين البلدين خلال عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك لتحقيق ذلك. لكن مبارك كان يرضخ للادارة الأميركية والكيان الاسرائيلي وظل يماطل ويرفض استئناف العلاقات، متذرعاً بذرائع واهية.

ويقال ان خطاب الرئيس مرسي قد تم تحريفه منذ بدايته حيث استهله بالصلاة والسلام على الرسول محمد، والتراضي عن "صحبه سادتنا أبو بكر وعمر وعثمان وعلي"، اذ تجاهل المترجم التراضي عن الصحابة، لأسباب مذهبية. وهذا في رأيي قمة السذاجة لأن الترجمة الفارسية موجّهة للشعب الايراني الذي لن يضيره أو يفيده تراضي مرسي من عدمه على الخلفاء الراشدين الأربعة رضي الله عنهم.

يمكن أن نفهم خلفيات هذا التحريف ولا نبرّره، ونرده الى أنه موجّه للداخل الايراني حيث يجري ترويج السياسات الرسمية للنظام الايراني، وكأن الشعب الايراني جاهل ومقطوع عن العالم، ولا يتابع سوى تلفزيونه الرسمي، على الرغم من أن الايرانيين من أكثر شعوب المنطقة استخداماً للانترنت والهاتف المحمول.

وعندما قال مرسي: "الشعبان الفلسطيني والسوري يناضلان من أجل الحرية والعدالة والكرامة"، نقلها مترجم التلفزيون الرسمي الايراني "ان شعبي فلسطين والبحرين يناضلان من أجل الحرية". وعندما أعلن مرسي تضامنه مع المعارضين السوريين، فقال: "اننا نتضامن مع الشعب السوري ضد الظلم والقمع، ونظام فقد شرعيته"، ترجمها التلفزيون الايراني: "نحن نتضامن مع الشعب السوري ضد المؤامرة الموجهة ضد هذا البلد".

ومعلوم أن النظام الايراني متحالف مع النظام السوري ضمن محور "الممانعة والمقاومة" ضد اسرائيل وأميركا في المنطقة، وهو يدعم حزب الله في لبنان وحركتي حماس والجهاد الاسلامي في غزة، ومن الطبيعي أن ترفض طهران أي هجوم على نظام الرئيس بشار الأسد، لكن لا يجوز تحريف خطاب الرئيس الضيف اذا كان يخالف في رأيه أو رؤيته رؤية ايران.




وان كنا نتفهم حرص الرئيس مرسي على الشعب السوري ودعمه للثورة السورية، التي يشكّل الاخوان المسلمون والاسلاميون السوريون ركنها الأساس، فاننا نتساءل لماذا تجاهل ثورة البحرين ضد نظام آل خليفة، وهي ثورة سلمية لم تلجأ الى العنف والسلاح بعكس ما يحصل في سورية. وهي ثورة لأغلبية الشعب البحريني باسلامييه وليبرالييه وقومييه ويسارييه، وبشيعته وسنّته، وهم عرب أقحاح كالسوريين والفلسطينيين. كما أن الشعب البحريني كان الشعب الخليجي الوحيد الذي يتظاهر نصرة للشعب الفلسطيني في الخليج ضد العدوان على غزة وحصارها، وضد العدوان الأميركي على العراق، والعدوان الاسرائيلي على لبنان.

فاذا كان المترجم ومن يقف وراءه بقصر نظرهم وربما بخلفية مذهبية قد تجاهلوا ثورة الشعب السوري وحقوقه المشروعة، من خلال استبدال كلمة سورية بالبحرين، فان الرئيس مرسي قد قام بالأمر نفسه لحسابات سياسية اخوانية ومذهبية وارضاء لدول الخليج.

لطالما اتهمنا الغرب وأميركا بازدواجية الخطاب والكيل بمعيارين في النظرة الى اسرائيل والأمة العربية والاسلامية، ولكننا نحن المسلمين والعرب نمارس هذه الازدواجية والكيل بمعيارين أيضاً. فنحن مع الثورة والحرية والعدالة والمساواة حيث تخدم مصالحنا ومصالح حلفائنا، ونتجاهل هذه المطالب والحقوق حين تتعارض مع مصالحنا أو تحرجنا وتحرج حلفاءنا. فكما الحقيقة لا تُجزأ فان الحرية والعدالة والحقوق لا تجزأ. يقول الامام علي بن أبي طالب: "ما ترك لي الحق من صديق". وَيقول عن السلطة ان نعله "أَحَبّ‏ُ اِلَيّ‏َ مِن اِمْرَتِكُم، اِلاّ أَنْ أقيمَ حَقّاً أَو أَدفَعَ باطِلاً". فكان هدفه من الحكم هو اقامة الحق ودفع الباطل.

Comments

Popular posts from this blog

مقامات الأنبياء والرسل في لبنان

واقع المحاكم الجعفرية في لبنان في حوار شامل مع العلامة الشيخ حسن عواد

جذور التاريخ العثماني - الصفوي (1500 - 1555)