الهدر الخليجي في الغرب بين السياحة والتسلّح


د. هيثم مزاحم



قبل أسبوع قرأت مقالة لصحافية أميركية تنتقد فيها هوس المستهلكين بالأجهزة الهاتفية والالكترونية الحديثة وتهافتهم بالملايين على المتاجر لشراء جهاز "الأي فون 5"(Iphone5)  في اليوم الأول لنزوله إلى الأسواق في الولايات المتحدة الأميركية ومن ثم في باقي أنحاء العالم.
ويتراوح سعر جهاز "(Iphone5) بين 700 و1400 دولار بحسب الدولة وتكلفة الشحن والضرائب. وتساءلت هذه الصحافية أنه لو تبرع كل من هؤلاء المستهلكين بعشرة دولارات للفقراء والمحتاجين، لكان المجموع مبلغاً كبيراً يساعد في سد جوع الكثيرين في أنحاء العالم.
أعجبتني رؤية هذه الصحافية الغربية ونقدها الاجتماعي ذو البعد الإنساني والأخلاقي. في اليوم التالي ظهر على اليوتيوب خبراً كيف أن أحد الذين اشتروا جهاز "الآي فون 5" الجديد قد وضعه في جهاز المايكرويف وأحرق الجهاز فقط كي يصوره بالفيديو ويضعه على موقع الكتروني لبيعه في المزاد.
الغريب أن سعر الجهاز الخردة المحروق قد وصل إلى ثلاثة آلاف دولار فقط لأنه أصبح شهيراً على الانترنت واليوتيوب. تذكرت هنا المثل الشهير: "رزق الهبل عالمجانين".


في الصورة: جهاز الأي فون 5 بعد حرقه في المايكروويف وعرضه للبيع بالمزاد. شاهد الرابط:
 
http://www.youtube.com/watch?v=zZoSrCW-ezU&feature=related
 
شاهدت تقريراً إقتصادياً على إحدى الفضائيات عن نموّ السياحة للدول العربية في الخليج بين عامي 2011 و2012، وذلك على حساب الدول التي شهدت ثورات "الربيع العربي" كمصر وتونس وسوريا أو التي تأثرت بهذه الثورات كلبنان، فيما حصدت معظم هذا النموّ أن دولة الإمارات العربية المتحدة التي تستقطب 65% من السياح الخليجيين، تليها السعودية. لكن ما صدمني ما أعلنه رئيس "المنظمة العربية للسياحة" بندر بن فهد آل فهيد أنه بحسب المؤشرات يتوقع ارتفاع إنفاق السياح للدول العربية الخليجية إلى 32 مليار دولار على السياحة عام 2012، مشيراً إلى نمو السياحة البينية في دول الخليج إلى 60% مقارنة بالعام الماضي، حيث كانت نسبتها 48%.
وتشير الإحصاءات الدولية إلى أن السياح السعوديين إلى الخارج يزداد عددهم سنوياً، حيث يصل عدد السياح السعوديين المتجهين إلى الخارج هذا العام 2012 إلى نحو 4 ملايين سائح ينفقون ما يزيد على 50 مليار دولار سنوياً على السياحة من خلال السفر إلى الخارج أو السياحة البينية.
هذا الرقم يتحدث فقط عن الإنفاق المنظور للسيّاح من تذاكر سفر وإقامة في الفنادق ونفقات المطاعم والنقل، من دون حساب النفقات غير المنظورة التي تذهب في أماكن اللهو والقمار والملاهي الليلية، فهذه مصاريف لا يمكن إحصاؤها.
 لا شك أن في السفر فوائد عدة كما في الحديث الشريف. وينقل عن الإمام علي بن ابي طالب(ع) هذه القصيدة عن فوائد السفر:
تَغَرَّبْ عَنِ الأَوْطَانِ فِيْ طَلَبِ العُلَى **  وسافِرْ ففي الأَسْفَارِ خَمْسُ فَوَائِـدِ
تَفَرُّجُ هَـمٍّ، واكتِسَـابُ مَعِيْشَـةٍ      **       وَعِلْمٌ ، وآدابٌ، وصُحْبَـةُ مَاجِـدِ
فإن قيلَ في الأَسفـارِ ذُلٌّ ومِحْنَـةٌ   **    وَقَطْعُ الفيافي وارتكـاب الشَّدائِـدِ
فَمَوْتُ الفتـى خيْـرٌ له مِنْ قِيامِـهِ   **     بِدَارِ هَـوَانٍ بيـن واشٍ وَحَاسِـدِ
إذن نحن مع تشجيعنا للسياحة العربية والإسلامية البينية وكذلك للسياحة إلى بلاد العالم أجمع، للتعرّف على جمال طبيعة هذه البلدان وعمرانها وحضارات شعوب ودول، ومع إدراكنا لأهمية السفر في الإجازة وخصوصاً للعائلة مجتمعة، إلا أن تحفظنا هو على الإسراف والبذخ في هذا الإنفاق خصوصاً في دول الغرب، بينما لو تبرّع كل واحد من هؤلاء السيّاح بواحد في المئة من إنفاقهم هذا على الفقراء والمحتاجين في العالم الإسلامي، لكنا بألف خير.  
يروي علي محمد فخرو السياسي والكاتب البحريني بعضاً من  صور "سفاهات الصيف" الخليجي في الخارج مما رصده فيقول: "ما يفعله أغنياء الدول بثروة البترول من بطر وتبذير وبذخ أسطوري مبتذل لم يعد مقبولاً، لا بمقاييس الأخلاق ولا الذوق الرفيع ولا أحكام الدين".
وينقل من مشاهداته في شوارع العواصم الغربية قائلاً: "لا يحتاج المراقب لأكثر من التجوال في شوارع لندن التجارية ومناطق سكنها الفاحشة الأثمان ليرى العجب العجاب.. شباب خليجيون يسوقون سيارات فارهة مطلية بالذهب، تصل أسعار بعضها إلى أكثر من مليون جنيه إسترليني، ويفاخر أحدهم بأنه اشترى رقم لوحة سيارته في مزاد علني في بلاده بتسعة ملايين جنيه. ويتفاخر بأنه نقل سيارته الأعجوبة من بلاده إلى لندن بواسطة طيارته الخاصة.. وقد ترى أحدهم يزور متجراً للمجوهرات فلا يخرج إلا ومعه فاتورة بأكثر من عشرين مليون جنيه". ويخرج بتعليق قاسٍ ومؤلم بأن ذلك "يحدث من أناس لم يمارسوا الإنتاج أو الإبداع أو العمل المضني، ولابد من مساءلة المجتمعات والأنظمة السياسية التي فرخت تلك الظاهرة العبثية".



والجدير بالذكر أنّ خسائر العالم العربي في الأزمة الاقتصادية التي ضربت العالم منذ أواخر العام 2008 قد تخطت مبلغ 2500 مليار دولار (2.5 تريليون دولار)، دفعتها الدول النفطية ومستثمرون عربٌ ورجال أعمال وظّفوا رؤوس أموالهم في البورصات العالمية.
ويكفي نصف مبلغ الخسارة المذكور لإنعاش الدول العربية وإنمائها وسداد ديونها، بما يضعها على سكّة التقدّم الاقتصادي والاجتماعي. فالدول العربية مجتمعة تحتاج إلى 200 مليار دولار فقط لتوفير التمويل اللازم للخروج من نفق الفقر والجوع والبطالة.
وتثير هذه الخسائر أسئلة حول مسألة الثروات العربية، وكيفية التحكّم بها واستخدامها بالعلاقة مع متطلّبات المنطقة وشعوبها، وحقوق الملكية لهذه الثروات. لكنّ السؤال الأهمّ الذي يثيره هدر هذا الحجم من الثروات يتّصل بواقع المنطقة العربية التنمويّ من جهة، واحتياجات الملايين من أبناء البلدان العربية من جهة أخرى.
وتكفي نظرة سريعة على واقع العالم العربي من جميع الجوانب لتظهر حجم المأساة، إذ لايخلو تقرير محلّي أو إقليمي أو دوليّ عن العالم العربي، من الإشارة إلى أنّ المنطقة تضمّ أكبر نسبة من الفقراء والمعدمين والذين يعيشون تحت خطّ الفقر، وتتسبّب المجاعات في إبادة الآلاف منهم كلّ عام.
يضاف إلى الفقر حجم البطالة والعاطلون عن العمل الذين يصل عددهم إلى الملايين، وهو رقم يشهد ازدياداً كلّ عام ويطال جميع فئات المجتمع، بحيث بات مئات الآلاف من خرّيجي الجامعات عاجزين عن الحصول على فرص عمل لهم داخل بلدهم أو في إطار العالم العربي الشامل.
أمّا عن حجم الأميّة، فتجمع كلّ التقارير على أنّ العالم العربي يقع في أسفل الدرك بين شعوب العالم، من حيث حجم غير القادرين على القراءة والكتابة الذين تصل أعدادهم الى حوالي 70% من سكان العالم العربي. تكتمل هذه الصورة القاتمة مع التزايد غير المحدود للسكان، ما يتسبّب بمزيد من المآسي للشعوب العربية.
يشير الكاتب السعودي الراحل عبدالرحمن منيف إلى الآثار السلبية التي تركها اكتشاف النفط على الإنسان العربي، فيرى في هذه الثروة "لعنة" بدل أن تكون "نعمة" عليه. لقد شكّلت هذه الثروات مجالاً لشراء المعارضين وشلّ قواهم، واستخدمت في بناء أجهزة قمع وإرهاب لتكريس الاستبداد القائم، وأفسدت الكثيرين من خلال توظيف الأموال في الحاجات الشخصية، وبديلاً عن المساهمة في تطوير وإنماء المجتمعات العربية، وضعت رؤوس الأموال في خدمة الرأسمالية العالمية.


وليس من أدل على ذلك إلا ارتفاع الإنفاق العسكري في دول الخليج العربية خلال السنوات الأخيرة في إطار صفقات عسكرية شملت مختلف فروع القوات المسلحة.
فبحسب معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، إرتفع الإنفاق العسكري في الفترة بين 1988 و2009 في سلطنة عمان من 2.11 إلى 4 مليارات دولار، وفي الكويت من 3.31 إلى 4.58 مليارات دولار، وفي السعودية من 17.83 إلى 39.25 مليار دولار، وفي البحرين من 232 إلى 721 مليون دولار.
ونشرت وكالات الأنباء العالمية أن هناك أربع دول خليجية تعتزم تعزيز تسليح جيوشها بقيمة 123 مليار دولار لمعادلة كفة التفوق العسكري الإيراني في منطقة الخليج، في خطوة وصفت بأنها واحدة من أكبر عمليات إعادة التسلح في التاريخ.
وذكرت صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية في 21 سبتمبر 2010 "أن السعودية ستستأثر بما قيمته 67 مليار دولار من هذا الحشد العسكري لشراء أسلحة من الولايات المتحدة، في إطار اتفاق وفّر دفعة قوية لصناعة الدفاع الأميركية". وأضافت أن السعودية ستحصل في إطار الصفقة على 85 مقاتلة جديدة من طراز "أف 15"، وتطوير 70 مقاتلة أخرى من مقاتلاتها.



وأشارت "فايننشال تايمز" إلى أن دولة الإمارات وقعت أيضاً عقوداً لشراء معدات عسكرية تتراوح قيمتها بين 35 
و40 مليار دولار، وحصلت على الضوء الأخضر لشراء صواريخ "ثاد" المضادة للصواريخ والتي تعمل على تطويرها شركة "لوكهيد مارتن"، كما وقعت الكويت عقوداً لتطوير أنظمة صواريخ "باتريوت" الدفاعية.
وقالت الصحيفة "إن سلطنة عمان ستنفق 12 مليار دولار على شراء 18 مقاتلة جديدة من طراز أف 16 وتطوير 12 مقاتلة أخرى، فيما ستنفق الكويت 7 مليارات دولار على استبدال وتطوير طائراتها الحربية وشراء أنظمة جديدة للقيادة والتحكم، في خطة تطوير تستمر حتى العام 2014". وأوضحت أن القيمة الإجمالية لجميع صفقات الأسلحة بين الولايات المتحدة وكل من السعودية والإمارات وسلطنة عمان والكويت ستصل إلى 122.8 مليار دولار.
وقد تم تبرير هذه الصفقة الضخمة بخوف هذه الدول من إمكانية اعتداء الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، فتقوم طهران إثرها بتوجيه الرد.

Comments

Popular posts from this blog

مقامات الأنبياء والرسل في لبنان

واقع المحاكم الجعفرية في لبنان في حوار شامل مع العلامة الشيخ حسن عواد

جذور التاريخ العثماني - الصفوي (1500 - 1555)