مأزق حماس - هيثم مزاحم

مأزق حماس
المصدر: هيثم مزاحم
التاريخ: 12 مارس 2006



تعاني حركة حماس في الوقت الراهن من مأزق فعلي إثر فوزها في الانتخابات التشريعية وتكليفها بتشكيل الحكومة الفلسطينية، نتيجة الضغوط الدولية والعربية والإسرائيلية عليها للاعتراف بإسرائيل ووقف المقاومة والالتزام باتفاقات أوسلو و«خريطة الطريق».

وهذا ما يفسر تخبط الحركة الإسلامية في مواقفها وتصريحات قادتها المتناقضة، بحيث يقول الواحد منهم شيئاً اليوم ليعود لينفيه غداً أو ليدعي أنه أسيء فهمه أو تفسيره.

فاسماعيل هنية المكلف بتأليف الحكومة نقلت عنه صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية قبل أيام أن «حماس» مستعدة للسلام مع إسرائيل والاعتراف بها في حال انسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة عام 1967 بما فيها القدس وإطلاق الأسرى .

وتثبيت حق العودة، لكن سرعان ما نفى هنية ذلك مكرراً بذلك موقف مؤسس «حماس» الشيخ أحمد ياسين المعلن منذ سنوات عن استعداد الحركة لقبول دولة فلسطينية في حدود 1967 وعودة اللاجئين في مقابل هدنة طويلة الأمد مع إسرائيل تمتد عشر سنوات.

ولعل مأزق «حماس» يكمن في أنها عبأت أنصارها منذ تأسيسها بعقيدة الرفض لوجود إسرائيل وعدم الاعتراف بها والدعوة لتحرير فلسطين من البحر إلى النهر.

وهي عقيدة دينية تستند إلى عدم شرعية الاعتراف بإسرائيل التي اغتصبت أرض فلسطين وعدم جواز التنازل عن أي شبر من ارض فلسطين لأنها أرض إسلامية وعربية فيها مقدسات دينية أبرزها المسجد الأقصى المبارك. لكن الشريعة الإسلامية مرنة وهي يسر للمسلمين وليست عسراً.

وبالتالي فإن «حماس» يمكنها الاستناد إلى بعض الفقهاء المتنورين الواقعيين والعالمين بشؤون الدين والدنيا كي يسوغوا لها الاعتراف بإسرائيل وإقامة صلح معها في حال كان ذلك في مصلحة الشعب الفلسطيني، بناء على «المصالح المرسلة» في أصول الفقه، وفقاً لقاعدة «لا ضرر ولا ضرار في الإسلام».

وقاعدة «درء المفسدة أولى من جلب المصلحة» وقاعدة التزاحم الأصولية. فالتزاحم مصطلح أصولي هو «تنازع بين حكمين بسبب عدم قدرة المكلّف على الجمع بينهما، أي تنازع بين واجبين أو واجب ومحرّم، بشكل لا يسع المكلّف تنفيذهما معاً، فلابدّ له من تنفيذ أحدهما وترك الآخر.

ويكون واجب المكلّف هو تقديم الأهم على المهم. وعلى سبيل المثال: في حالة التزاحم بين الصّلاة وإنقاذ الغريق أو الجريح الذي يحتمل موته، فعندئذ يُقدّم إنقاذ الغريق أو الجريح على أداء الصّلاة.

وهكذا يتّضح أنّ قاعدة علاج التزاحم تلغي أحد التكليفين، أي تلغي الوجوب أو الحرمة في المزاحم الأقل أهميّة، ما دام المكلّف مشغولاً بأداء مزاحمه الأهم، فإذا كان الاعتراف بإسرائيل .

والتنازل عن جزء من فلسطين محرمين فإن على القيادات الفلسطينية السياسية والدينية أن تحدد سواء باللجوء إلى استفتاء عام أو مشاورات موسعة إذا كان الالتزام بهذين المبدأين سيضران بالشعب الفلسطيني أكثر من تجاهلهما.

وذلك على خلفية أن إسرائيل تواصل يومياً سياساتها الاستيطانية والعدوانية القائمة على سرقة أراضٍ فلسطينية وضمها أو بتدمير بساتين ومنازل ومنشآت فلسطينية فضلاً عن قتل وجرح الفلسطينيين وحصارهم وتدمير اقتصادهم، وحرمانهم من قيام دولة فلسطينية مستقلة.

فبناء عليه قد يكون درء هذه المفاسد أولى من جلب المصلحة المتمثلة في عدم الاعتراف بإسرائيل وعدم قيام السلام معها، وقد يكون العكس.


ولا شك أن ذلك الأمر يقرره الفلسطينيون أنفسهم من خلال استفتاء عام أو انتخابات عامة تطرح على أساسها الخيارات المتاحة أمامهم بعيداً عن الشعارات المثالية الطنانة غير الواقعية التي لا تسمن ولا تغني من جوع. فإسرائيل أمر واقع موجود otcaf ed رغم كونه غير شرعي de jure في نظر المسلمين والعرب.

ولكنها دولة شرعية بموجب القانون الدولي وفقاً لحدود 4 يونيو 1967 والقرارات الدولية (181 و242 و338) وباعتراف منظمة التحرير الفلسطينية في اتفاق أوسلو والدول العربية من خلال المبادرة العربية في قمة بيروت في مارس 2003.

كما أن إسرائيل دولة قوية سياسياً وعسكرياً واقتصادياً وإعلامياً تدعمها الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا وتضمنان بقاءها وأمنها وتفوقها على العرب والمسلمين، فهزيمتها عسكرياً وإزالتها من الخريطة أمران غير ممكنين في الوقت الراهن والمستقبل المنظور، فضلاً عن كون لا أحد يفكر بذلك بين الدول العربية والإسلامية بما في ذلك إيران وحركة حماس نفسها.

فلا مناص لحماس من عقلنة خطابها وجعله واقعياً يواكب التطورات السياسية في المنطقة والعالم ويتكيف مع مصالح الشعب الفلسطيني، فالمقدس هو الإنسان الفلسطيني وسعادته وكرامته، أليست حرمة الدم المسلم أعظم عند الله من حرمة الكعبة المشرفة.

Comments

Popular posts from this blog

مقامات الأنبياء والرسل في لبنان

واقع المحاكم الجعفرية في لبنان في حوار شامل مع العلامة الشيخ حسن عواد

جذور التاريخ العثماني - الصفوي (1500 - 1555)