المسيحيون العرب والقلق على المصير - د. رضوان السيد

المسيحيون العرب والقلق على المصير
د. رضوان السيد*


تتناول هذه المقالة قضية تطوّرات حياة المسيحيين العرب ومصائرهم خلال القرن العشرين المنقضي، ومظاهر أو ظواهر التوتر والانحسار لديهم في العقد الأول من القرن الواحد والعشرين. ففي مطالع القرن العشرين كانت أعداد المسيحيين العرب (في مصر وبلاد الشام والعراق) تُناهز الـ15 في المئة من مجموع العرب. وكانت لهم أدوار بارزة في النهوض القومي والوطني من النواحي الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية. وقد تراجعت أعدادهم على اختلاف كنائسهم (التاريخية والجديدة) الى حدود 8 الى 10 في المئة. وتراجعت تلك الأعداد والأدوار بسبب الهجرة في الدرجة الأولى، لكن أيضاً بسبب المتغيرات في الأوضاع السياسية في منطقة المشرق العربي، والتطورات ذات الطابع الانقلابي في وعي الأكثرية الإسلامية تجاههم، وفي وعي جماعات كثيرة من المسيحيين العرب أنفسهم، في ما يتعلق بالحراك الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والسياسي. وبالنسبة الى المتغيرات في المجال السياسي أو الجيوسياسي، هناك أمران رئيسان: ظهور الكيان الصهيوني على أرض فلسطين، وطبيعة التجربة السياسية العربية وتطوراتها. في المجال الأول، أي استيلاء الصهاينة على فلسطين، فقد تعرض المسيحيون والمسلمون في فلسطين بعامة، وفي القدس بوجه خاص لضغوط شديدة في حياتهم، وفي معابدهم، وفي رموزهم الدينية. وقد أُرغم كثيرون منهم على الهجرة الى خارج فلسطين. وفي شباط/فبراير 2010، أُعلن عن مشروع يهودي عبر الإدارة الحكومية لإخراج 1500 فلسطيني من بيوتهم في القدس، بحجة أنهم بنَوها من دون إذن من السلطات البلدية، التي لا تأذن على أي حال لأحد بالبناء، حتى لو كانت العملية عملية ترميمية! وبين الـ1500 فلسطيني الذين يُراد تهجيرهم أو إخراجهم من القدس 400 مسيحي. وفي القدس 14 كنيسة أكثرها تاريخي، بينما لا يزيد عدد المسيحيين في القدس الشرقية اليوم على الثمانية آلاف، وفي إحصاءات أخرى إنهم لا يزيدون على الستة آلاف!
أما السبب السياسي الآخر وخارج فلسطين، فقد تعلّق في المدى الطويل بطبائع الأنظمة العربية خلال العقود الخمسة الماضية. فهي في معظم الأحيان أنظمة عسكرية أو ثورية لا تأبه لقضايا العدالة وحكم القانون. وفي تلك البلدان يتعرض سائر المواطنين للضغوط وليس المسيحيون فقط. لكن الأقليات والنُخَب الزاخرة بالحركة والحيوية والفعالية، تتعرض في العادة لضغوط أكبر. ومع غياب المشاركة، وشلّ الحركية والفعالية، يزداد المعتقلون، ويزداد أكثر المعطَّلون، وأكثر وأكثر المهاجرون.
وكما سبق القول، فإن الضغوط تناولت الجميع، والطموحون والفعّالون من المسلمين والمسيحيين اندفعوا باتجاه الهجرة. لكن عندما يهاجر مئة ألف مسيحي مثلاً من بلد يبلغ عددهم فيه المليونين، فإن ذلك يؤثر فيهم، أكبر من تأثير هجرة مئتي ألف مسلم من أصل 18 مليوناً في ذلك البلد! وقد قاوم المسيحيون في تلك البلدان القومية الثورية الضغوط بوسائل مختلفة، ومن بينها الانتماء من جانب النخب الى الأحزاب القومية والثورية الحاكمة أو التي صارت حاكمة. لكن من ضمنها أيضاً الدخول في المعارضات الديموقراطية، والتواصل مع التيارات المماثلة في البلدان العربية وفي الخارج العالمي. وإذا كان ذلك قد أفاد بحدود معينة، فإن انكماش النشاط الخاص ومحاصرة المبادرات في المجالات الاقتصادية والثقافية والإنسانية، هدّآ من الاندفاع باتجاه الهجرة بشتى الوسائل، ولو بالمجيء الى لبنان من سوريا والعراق وفلسطين. وآخر وسائل بعض الأنظمة الثورية لاستغلال الوجود المسيحي أو التأزم المسيحي، الزعم أمام الخارج الدولي أن من فضائل تلك الأنظمة أنها علمانية، وأنها تُحابي المسيحيين، وأنها تطلب دعم الخارج للاستمرار، كي لا تأتي الى السلطة راديكاليات إسلامية تُضرّ بالمسيحيين!
ولنصل بمناسبة ذكر الراديكاليات الى متغيرات البيئات الإسلامية الأكثرية، وتأثيراتها في مواطنيها المسيحيين. فالإحيائيات الإسلامية، والتي تهتم بالرموز والخصوصيات، ولا تأبه كثيراً للآخر المختلف دينياً أو إثنياً أو لا تعترف باختلافه أو لا تحتمله، ما عادت حركات نخب، بل صار لها جمهور كبير وكثيف. ومشكلاتها بالطبع وبالدرجة الأولى مع الأنظمة القائمة، لكنها بحكم تصوّراتها الأساسية، وبرامجها، أو بالأحرى بحكم وعيها، تنشر أجواء من التشدد، ومن تجاهل الواقع التاريخي، ومن الميول الى الاستصغار أو الإلغاء. والطريف والمؤسي أن ذلك دفع الأنظمة القائمة ليس الى الاصطدام بها وحسب، بل إلى تبنّي ممارسات محافظة تقليدية أو مستجدة، القصد منها منافسة الأصوليين في الحرص على الإسلام، وفي نُصرة ما تعتبره توجُّهات إسلامية. ومن هذا الباب تأتي بعض المشكلات التي تظهر في مصر منذ آخر السبعينات من القرن الماضي، وازدادت في العقد الأخير، في شأن بناء الكنائس، وفي شأن الاختلاط بين المسيحيين والمسلمين، وفي شأن الفعالية السياسية للمسيحيين ضمن هيئات المجتمع المدني المعارضة أو غير الموالية للنظام.
ولا يُعاني المسيحيون اللبنانيون في الأساس من ضغوط دينية أو سياسية أو اقتصادية أو ثقافية، مشابهة لما في بلدان عربية مثل سوريا والعراق ومصر. ويعمل مئات الألوف منهم في بلدان الخليج العربية. لكن الانقسامات الداخلية اللبنانية، والصراعات على أرض لبنان ومن حوله، دفعت الى السطح في العقود الأخيرة باتجاهين: اتجاه الهجرة، لتوافر الحركية في أوساط المسيحيين من جهة، والقدرة بالتالي على النجاح أكثر في الخارج. واتجاه الراديكالية السياسية والثقافية، تطلباً للمزيد من الفعالية والتأثير، وبأفكار مثل تحالف الأقليات، أو الانعزال عن المسلمين اجتماعياً وانتخابياً، أو تغيير الدستور أو تعديله، للأغراض ذاتها.
نداء المقدسيين
وقد أصدر مسيحيون مقدسيون في أواخر العام 2009، أكثرهم من رجال الدين من شتى الطوائف، بياناً ونداءً عن الأوضاع المأساوية التي تعاني منها القدس، وسائر الأراضي الفلسطينية تحت الاحتلال. وتندد هذه الوثيقة بالاحتلال الإسرائيلي للمدينة المقدسة، وتُبر"حق" المسيحيين فيها بالمعاني الروحية والتاريخية والسكانية والسياسية. وقد تجاهل المتابعون منّا بعض النوافر فيها، واحتفينا بها في بيروت كما في القاهرة ودمشق، بحسبان ذلك تأكيداً للشراكة بين المسيحيين والمسلمين، وهي شراكة روحية وتاريخية بين الدينين، كما أنها عيش تاريخي وحاضر، تواجهه التحديات والأخطار التي تدفع باتجاه التضامن والتوحّد وتأكيد الثوابت.
بيد أن ما لم يٍقُلْهُ بيان المقدسيين، قاله بيان صادر عن الفاتيكان، يصف الوضع لدى المسيحيين المشارقة، كما سمّاهم، ويدعو إلى "سينودس" (أي اجتماع ديني) في تشرين الأول/أكتوبر المقبل، لبحث أوضاع المسيحيين، والنظر في كيفية معالجتها. وكان الدافع إلى البيان بالدرجة الأولى ما ينزل بالمسيحيين في العراق، لكنه ألقى نظرة شاملة على وجوه القلق والخطر لدى المسيحيين (المشرقيين كما سماهم، وهم في كثرتهم الكاثرة عرب أو متعرّبون) وعليهم. والأوضاع التي يذكرُها بيان الفاتيكان تتلخص في أربعة أمور: تناقُص أعداد المسيحيين في المشرق العربي بسبب الهجرة الكثيفة، وتعرضهم للضغوط في إسرائيل وفلسطين المحتلة وفي العراق، والتعرُّض للعنف والتمييز والتهميش في بعض البلدان العربية نتيجة صعود الأصوليات، وإجراءات السُلُطات، والانقسامات العميقة في صفوف المسيحيين، واللامُبالاة التي تلقاها آلامُ المسيحيين من جانب مُساكنيهم من المسلمين ومن العالم المسيحي الخارجي.
وكما في حالة بيان القدس، فإن ذلك ما أثار لدينا نحن المسلمين، ولدى المسيحيين الأقباط والأرثوذكس والإنجيليين أية حساسيات، لأن التمهيد هذا يذكر دوافع وعوامل قلق تستحق النظر والبحث والتأمل. لكن التمهيد ذاك يعتبر أن المسيحيين المشرقيين يعدّون 17 مليوناً، منهم 10 ملايين من الأقباط المصريين، ومليونان من الأرثوذكس، وخمسة ملايين من الكاثوليك، وهناك بلدان يتعرض فيها وجودُ المسيحيين للخطر المحدق، هما فلسطين والعراق، في حين يعاني كل المسيحيين الآخرين من درجات مُتفاوتة من الخطر والاستنزاف والتراجع في الأدوار السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية. فالأكثرية قبطية وأرثوذكسية، إضافة الى قلة بروتستانتية. وهكذا، وبصرف النظر عن صحة الأعداد، وعن الخصوصية البارزة التي يحفظها الفاتيكان للكاثوليك، فإن أكثريات المسيحية المشرقية التي يراد الحفاظ عليها ما دُعيت للتواصل والتشاور، وبخاصة أن الأمر متعلق بها بالدرجة الأولى ما دامت هي الأكثرية، وهي التي تواجه تحديات لا تقل حدة عما تواجهه الكنائس المتحدة مع الفاتيكان. والأمر نفسه يسري على المسلمين العرب وأقلياتهم، والذين تبلغ أعدادهم حوالى الثلاثمئة مليون، وهم المعنيون بأكثر الشكاوى التي يذكرها الفاتيكان من حيث تسبّبهم جزئياً بها، ومن حيث ضرورة بحثها والتشاور فيها.
المسيحيون العراقيون
ودعت مجموعة "سانت أجيديو" الإيطالية إلى مؤتمر ليوم واحد في شباط/فبراير 2010 لمؤازرة دعوة الفاتيكان وبيانه. ومجموعة "سانت أجيديو" هي جماعة من المتطوعين المدنيين الطليان، قريبة من الفاتيكان، وكانت تُعنى في الأصل بمساعدة الفقراء، لكنها انصرفت في العقدين الأخيرين للعناية بالشأن العام داخل إيطاليا وخارجها، وقد اتخذت للمؤتمر عنوان: "العيش معاً: المسيحيون والمسلمون في الشرق الأوسط". وعندما ذهبتُ إلى المؤتمر وجدتُ بين المدعوين مسلمين ومسيحيين من لبنان وسوريا والعراق وفلسطين والجزائر، إضافة إلى عشرات الأساتذة والصحافيين من الإيطاليين. وقد توزعت بحوث المؤتمر على ثلاث جلسات، خُصِّصت أولاها لاستعراض الموقف، أي أوضاع المسيحيين في سياق أطروحة العيش معاً أو العيش المشترك، وجاءت الجلسة الثانية لعرض تجارب من مختلف البلدان في العيش معاً في الماضي والحاضر، وكانت الجلسة الثالثة للأفكار والمقترحات. وقد لفتت انتباهي العروض التي قدمها بعض المسيحيين العراقيين والفلسطينيين.
أما العراقيون فشكوا من ثلاثة أمور: العنف الذي يُمارسُ ضدُّهم، واستخفاف السلطات، ولامبالاة المجتمع. في حين لاحظ المسيحيون الفلسطينيون بمرارة أن إخوانهم المسيحيين في الخارج يهتمون كثيراً لحرياتهم الدينية التي يعتقدون أن الأصوليات الإسلامية واليهودية تهددها، لكنهم لا يهتمون لحقوقهم الوطنية، ووجودهم الإنساني. فالقضية الفلسطينية ليست بالدرجة الأولى قضية الاضطهاد الديني أو التآلف الديني، بل هي قضية شعب تحت الاحتلال، تمارسُ بحقه أفظع انتهاكات لحقوق الإنسان. بينما يهتمُّ الفاتيكان والآخرون لمصائر الأماكن المقدسة. لكن ماذا يفيد صَون كنيسة القيامة، إن لم يَعُدْ هناك مسيحيون لإقامة الصلوات فيها؟!
الاحتلال الإسرائيلي
وحدث عندما كنا في روما أن أعلن رئيس الوزراء اللإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن ضمِّ الحرم الإبراهيمي، ومسجد بلال، إلى الآثار اليهودية والإسرائيلية. فقام كاهن فلسطيني وشرح للحاضرين ماذا تعني تلك الأماكن بالنسبة للمسلمين في قلب مدينة الخليل في الضفة الغربية. فصحيح أن هذه الأماكن مقدسة عند المسلمين واليهود، لكن اليهود يُصلُّون ويزورون هناك تحت حماية الجيش الإسرائيلي. وفي ذلك الحي بمدينة الخليل الفلسطينية زُهاء 120 يهودياً بين خمسين ألفاً من العرب المسلمين والمسيحيين. ويحمي هؤلاء أربعة آلاف جندي إسرائيلي منذ عام 1967. وقبل سنوات ليست بالبعيدة دخل صهيوني على المصلين في المسجد الإبراهيمي عند صلاة الصبح وقتل منهم زُهاء الثلاثين برشاشه. ومدينة الخليل جزء من الضفة الغربية التي فيها مليونا فلسطيني، والتي تتزايدُ فيها المستوطنات. وهذه المستوطنات المتكاثرة محمية من الجنود. ومحمية من "السور الواقي" الذي ابتدعه رييل شارون. ثم يقول الأوروبيون والأميركيون إنهم يؤيدون قيام الدولة الفلسطينية في حدود عام 1967، لكنهم لا يفعلون شيئاً لمنع طرد الفلسطينيين من القدس، ومنع الإسرائيليين من الاستمرار في بناء المستوطنات، وهؤلاء الإسرائيليون احتلوا عام 1948 زُهاء الثمانين في المائة من أرض فلسطين، وهم يضنُّون الآن على أهل البلاد الأصليين بالتخلي عن 20 بالمائة من الأرض في الضفة وغزة والقدس الشرقية!
وآثرتُ أن أتحدث في الجلسة المخصصة للأفكار والاقتراحات في المؤتمر، فذكرتُ أن المسيحيين والمسلمين يعانون في المشرق من ثلاثة أمور: صعود الأصوليات، وخلود الدولة التوتاليتارية، وفظاعة الكيان الصهيوني، أما صعود الأصوليات، فقد أدَّى إلى انهيار المجموعات التضامنية والتي عاشت معاً وتصرفت معاً، لأن التعصب سواء أكان هجومياً أم انعزالياً حال ويحول دون وجود المبادرات المشتركة التي كانت قائمة ضمن العيش المشترك أو الواحد. كما أن الدولة الاستبدادية القائمة منذ أربعة عقود وأكثر ضربت كل حراك سياسي واجتماعي، فجعلت المجتمع لقمة سائغة للأصوليات، ونشرت الفتن بين الناس بتقريب هذه الأقلية وإبعاد تلك. وجاء الاستيلاء الصهيوني، ذو الأبعاد الاستيطانية والأخلاقية المُشينة، فنشر حالة من العجز وانتهاك الكرامة وحقوق الإنسان الأساسية.
ومع أن كلَّ هذه الظواهر نالت من المسلمين والمسيحيين على حد سواء، فإن المسيحيين شعروا بها أكثر، وتأثروا بها أكثر، لأنهم أقليات. ولذلك لجأوا إلى الهجرة إلى ديار الغرب، وكان الغرب ولا يزال منافقاً، لا يجد من الشجاعة ما يدفعُ للبحث في الأسباب الحقيقية للمشكلة مثل الاحتلال الإسرائيلي أو الهجوم الأميركي على العراق واحتلاله. وإنما اكتفى ويكتفي بتقبُّل هجرة المسيحيين إليه، ثم النُواح بعد ذلك على مصائرهم وسط الأصوليات! وهكذا فإن "الهجرة" تبدو في الوثيقة، باعتبارها نتيجة لسائر العوامل المقلقة، وليست عاملاً منها. والهجرة هي الأخطر بالفعل على مصائر المسيحيين العرب، لكن المسلمين يهاجرون بكثرة أيضاً، وللأسباب ذاتها تقريباً التي يهاجر من أجلها المسيحيون: الافتقار الى الفُرص، وفقد الأمل واليأس – لكن أيضاً من أجل البحث عن حياة أفضل، وسط متغيرات العالم. فالهجرة ما عادت داءً بحتاً، بل لها أسباب تتعلق بالعولمة، والقرية الكونية والتي من مظاهرها العامة انتقال السلع والأموال والأشخاص. إنما لأن المسيحيين صاروا منذ قرون أقليات في المشرق، فإن الهجرة تؤثر في وجودهم، أكثر مما تؤثر في الوجود الإسلامي بالطبع.
طغيان الكاثوليكية
وقد جاء البابا بنديكتوس السادس عشر الى قبرص في حزيران/يونيو الماضي، حيث اجتمع الى قادة الكنائس الكاثوليكية وبعض قادة الكنائس الأرثوذكسية، وقدّس وتكلّم، وخصّ البطريرك الماروني والرعية المارونية الصغيرة في الجزيرة الأرثوذكسية بتحية خاصة، وأطلق الوثيقة الأساسية باسم الأساقفة الكاثوليك، والتي سيناقشها السينودس الذي يُعقد في شهر تشرين الأول/اكتوبر لبحث مصائر مسيحيي الشرق.
إن هذا النقص أو الخلل الذي بدا في الوثيقة التمهيدية، صار بارزاً وفادحاً في وثيقة قبرص، وذلك لناحيتين: طغيان الخصوصية الكاثوليكية، والتركيز على خطر الإسلام على مصائر المسيحية (المشرقية). فصحيح أن البابا جاء الى اليونان وإلى قبرص الأرثوذكسية، وأنه اجتمع الى مسؤولين روحيين وعلمانيين من الأرثوذكس، لكن الرؤى المعروضة في الوثيقة الختامية هي رؤى كاثوليكية بل ولاتينية أيضاً. وهي تقلّل من شأن الاختلافات بين الكاثوليك والأرثوذكس والأقباط، لكنها تقول بالعودة الى "وضع أصلي" كاثوليكي في الحقيقة. وهذا أمر ليس شأني الخوض فيه بالتفصيل، وإنما الذي يستحق التأمل هنا ذلك التركيز على الخصوصية الكاثوليكية في المشرق من الناحيتين التاريخية والدينية. فالكاثوليك الخالصون (اللاتين) لا يزيد عددهم في سائر أنحاء المشرق (حتى الهند) على المليون، أما الباقي فهم كنائس متحدة أو منضمّة الى الفاتيكان في القرنين الأخيرين، مع الاحتفاظ بتقاليدها الشعائرية والعرفية. وهؤلاء في موروثهم لا يزالون أقرب الى الأرثوذكسية.
ولستُ أريد من وراء هذا دعوتهم للعودة الى الأرثوذكسية - مثلما فعل البابا بدعوة الأنغليكان للعودة الى الكاثوليكية! – بل أقصدُ أن المسيحية "المشرقية" هي اليوم كما كانت بالأمس، وفي غالبيتها العظمى، أرثوذكسية وقبطية أو قبطية/ ارثوذكسية، فكيف يمكن معالجةُ مصائر المسيحية في الشرق دونما تشاور عميق مع الأرثوذكس أو المسيحيين العرب والمتعربين؟ نعم، إن الكنائس الصغيرة في العراق (والمتحدة مع الفاتيكان) والتي تواجه مصيراً مُقبضاً هي في الأكثر غير أرثوذكسية، لكن ماذا عن المسيحية الفلسطينية، وسائر المسيحيات العربية والمشرقية والتي تواجه تحديات كبرى؟ لا يكفي أن يُدعى هؤلاء )وربما بعض المسلمين) الى السينودس في تشرين الأول/أكتوبر المقبل، بل كان ينبغي أن يشاركوا في الإعداد. إنما الواقع أن الخصوصية والأصالة العَقدية اللتي بدتا في الإعداد لسينودس مسيحيي المشرق، تعكسان الدعوى الغلاّبة للبابا بنديكتوس في شأن حقائق الإيمان المسيحي (الكاثوليكي) من دون غيره، تُجاه كل المسيحيين الآخرين، منذ تولّى السدة البابوية، بل ومنذ صار رئيساً لمجمع الإيمان في أواخر السبعينات من القرن الماضي.
وثيقة قبرص
ولنصل الى "العوامل" المثيرة للقلق لدى المسيحيين في المشرق بحسب وثيقة قبرص. تذكر الوثيقة ستة عوامل: الأصل الرسولي أو التاريخي، ودور المسيحيين في المجتمع أو المجتمعات، والصراعات السياسية في المنطقة، والحريات الدينية وحرية الضمير، والمسيحيين وصعود الإسلام السياسي، والهجرة. في هذه العوامل يبدو التحدي الإسلامي في أربعة منها. لكن حتى في الأصل الرسولي، لا أدري كيف تكون الدعوى الكاثوليكية أقوى من الدعوى القبطية أو الأرثوذكسية. وفي تركيز على المشكلة أو المشكلات مع الإسلام علينا بداية أن نقرر على سبيل الإنصاف والموضوعية أن هذا الأمر كان ولا يزال التحدي الرئيس الذي واجهته المسيحية العربية والشرقية (بل والغربية) طوال أكثر من عشرة قرون. لذا ما رأيتُ خطلاً في ذكر هذه المسألة في معرض التشخيص. لكن يبدو أن كاتبي الوثيقة لا يراعون التاريخ، ولا مجمع الفاتيكان الثاني، ولا حتى ممهدات ونتائج السينودس من أجل لبنان في عهد البابا يوحنا بولس الثاني (1995 – 1997. ولذلك تغلب على المقاربة أو المقاربات الرؤى الاستشراقية، وتغلبُ عليها الدعاوى اللاهوتية حيناً، ودعاوى العلمانية والحداثة وحقوق الإنسان حيناً آخر.
فحتى في بند المسألة السياسية، يُذكَرُ الاحتلال الإسرائيلي في فقرة واحدة من خمس فقرات، أما في ثلاث من الفقر الأخرى في البند ذاته، فإن "الأسلمة" تبدو الخطر الأبرز. والوثيقة لا تعني بالأسلمة هنا الإسلام السياسي الذي خصّته ببند مستقل، بل تعني خليطاً من المشكلات الناجم بعضها عن القضايا الموروثة في سائر الكنائس في شأن إمكانية الطلاق أو الافتراق، وبعضها الآخر عن العلائق المعقّدة مع الدولة العربية الحديثة في افتقارها الى ضمانات المواطنة والحريات، ودعواها السيادية بالقوانين الناظمة لصلاتها بمواطنيها.
إن الوثيقة القبرصية (شأن الرسالة القبرصية لابن تيمية) لا تذكر "العوامل" الخاصة بالمسيحيين (الانقسامات الدينية والسياسية في ما بينهم، والانعزال عن المجتمعات وفيها، وفقد المشروع) إلا على سبيل التبع والتفرع على المسألة السياسية. وهذا أمرٌ له اعتباره في وعي كاتبي الوثيقة، وكان ينبغي أن يكون له تقدير آخر، كما لمسألة الهجرة وأسبابها. إنما المسألة الأساسيةُ هنا أن القضية الكبرى أمام المسيحية العربية والمشرقية ومصائرها هي في علاقتها بالمسلمين... والإسلام. وهذا أمرٌ لا يعالجُ بالتأكيد على الخصوصية الكاثوليكية، ولا بالتأمل في كيفية الحيلولة دون هجرة المسيحيين في شكل منفرد. لا بدّ من عمل أو أعمال مشتركة بين المسيحيين الأرثوذكس والأقباط والكاثوليك والإنجيليين، والمسلمين سنّةً وشيعة. وإذا كان المسيحيون يخشون على مصائرهم في المجتمعات العربية والمشرقية لأسباب دينية وسياسية واقتصادية، فإن المسلمين أيضاً (وبينهم مسؤولون دينيون كبار ومثقفون بارزون) مهجوسون بالإسلام السياسي، وبفشل التجربة السياسية والنهضوية العربية، وبمخاوف وهواجس إخوانهم المسيحيين. وهذه مسائل تشكّل – الى جانب التجربة التاريخية والحاضرة – مشتركات كبرى وأساسية، لا يمكن مواجهة المشكلات المتفاقمة من دون تشاور مشترك وتأمل متضامن فيها.
الإسلام السياسي
أما الإسلام السياسي فهو مؤثّر ولا شك في مجال المفاهيم، ومجال العيش المشترك، لكنه لا يدفعُ المسيحيين الى التأسْلُم بل بالأحرى القول إنه مفارق للتجربة التاريخية، وينشر وعياً غريباً على المسيحيين والمسلمين معاً. إن أخطر ما في الإسلام السياسي هو دعوتُهُ الدولة الدينية التي ينقسمُ حولها اليوم المسلمون قبل المسيحيين – وهذا عَرَضٌ مثير للهم، نشره الكيان اليهودي في فلسطين قبل ظهور الإسلام السياسي ذاته.
وقد ركزت وثيقة السينودس على أن الإسلام الأصولي والسياسي يشكل خطراً على حاضر المسيحيين العرب (المشرقيين) ومستقبلهم. وهذا "الانطباع" الذي تردده الوثيقة، صار من ثوابت الوعي الأوروبي والغربي إن لم يكن العالمي. وهو لا يتناول المسائل المتعلقة بالإسلام الجهادي وحسب، بل يتناول أيضاً طرائق الحياة الإسلامية ورمزياتها في المجتمعات الأوروبية، المنفتحة على كل التعدديات إلا التعددية المتعلقة بالمسلمين العائشين فيها منذ أجيال!
إن العلاج لهذه الظواهر والمظاهر المُفجعة يستند من وجهة نظري إلى أمرين اثنين: إحياء وتجديد تقاليد العيش معاً، والعمل معاً من أجل العدالة المؤسَّسة على المُواطنة وحُكم القانون.
في الأمر الأول ذكَّرت بأطروحة المؤرخ البريطاني المعروف أريك هوبسباوم: "اختراع التقاليد"، وهي تبدو متناقضة في جزئيها. لكن الواقع أن مجتمعاتنا الحديثة حتى أواسط القرن العشرين عرفت المجموعات التضامنية من المثقفين ورجال الأعمال والسياسيين. وإنما أزيلت تلك المجموعات المدنية القوية من جانب الدول التوتاليتارية، وأما في لبنان فبسبب الحرب الأهلية. لذلك فإن الحراك المدني المتجدّد على المستويات الثقافية والاجتماعية، كفيل بتجديد هذه المجموعات والتي تتكوّن من أفراد مختلفين في الدين وفي التوجّه السياسي، لكنهم يعونَ ضرورة العمل معاً من أجل تحقيق ما كان الطهطاوي يُسميه: المنافع العمومية، أو الصالح العام. وهو وعيٌ يدرك أن "المصالح" لا تتحقق بالتوحُّد الديني أو السياسي، بل بالعودة إلى جذور المسائل بين هؤلاء العائشين معاً أو الذين كانوا كذلك. أما المضمون الحقيقي والباقي لهذا التضامن الواعي، فهو العدالة. وهنا عُدتُ إلى أطروحة الفيلسوف السياسي الأميركي جون رولز في كتابه "نظرية العدالة" (1971)، والذي أثار نقاشات ما هدأت حتى اليوم. والعدالة عنده هي قيمة أخلاقية وممارسة سياسية وقانونية في ظل مبدأ المُواطنة وحكم القانون. فهناك حراك ومخاض عربي كبير، يتخذ سِمات العمل المدني، ومضمون حراكه تحصيل الحق في العدالة. وهي العدالة التي يتلاقى في رحابها المسلم والمسيحي باعتبارها قيمة دينية وأخلاقية، والمواطن العربي من كل الأديان باعتبارها مواطنةً وحُكماً للقانون.
يعاني المسيحيون العرب بالفعل من مشكلة الهجرة المتكاثفة في صفوفهم، نتيجة الاحتلال الإسرائيلي، والاضطراب في العراق، وخلود الأنظمة التوتاليتارية الخانقة. لكن المعاناة عامة وتنال من سائر العرب. فالمشكلة مشتركة، ولا يمكن الخروج منها إلا بالعمل المشترك من جانب العرب، مسلمين ومسيحيين. وأعتقد أن سينودس مسيحيي المشرق هو فرصة للمسيحيين كما للمسلمين. والتفكير المشترك، والتصرف المشترك، هما اللذان يمكّنان من الوصول الى النتائج المطلوبة والمرغوبة.

*د. رضوان السيّد مفكر إسلامي، أستاذ الإسلاميات في الجامعة اللبنانية، ورئيس تحرير مجلة الاجتهاد.

Comments

Popular posts from this blog

مقامات الأنبياء والرسل في لبنان

أسباب الصراع بين المماليك والعثمانيين- مراجعة: د. هيثم مزاحم

"البدول" سكان كهوف البتراء يتوقون إلى العودة للعيش فيها