قراءة في الأسس الدستورية للنظام السياسي العراقي - هيثم مزاحم

قراءة في الأسس الدستورية للنظام السياسي العراقي
هيثم مزاحم


انتهت الانتخابات البرلمانية العراقية وصادقت المحكمة الاتحادية العليا هذا الشهر على نتائجها بعد مرور نحو ثلاثة أشهر على انتهائها، بسبب وجود بعض الطعون والخلافات بشأن تعريف الكتلة الأكبر التي تشكّل الحكومة هل هي الكتلة التي فازت بأعلى نسبة من المقاعد أم الكتلة التي تتشكل بعد انعقاد البرلمان. ولما انتهى السجال حول ذلك بين "القائمة العراقية" برئاسة رئيس الوزراء الأسبق إياد علاوي وقائمة "دولة القانون" بزعامة رئيس الوزراء المنتهية ولايته نوري المالكي. إذ يطالب علاوي بأحقيته بتشكيل الحكومة لكون كتلته نالت أكبر عدد من المقاعد (91 مقعداً)، بينما يرى المالكي مستعيناً بتفسير للمحكمة الدستورية العليا للمادة 76 من الدستور يقول إن الكتلة النيابية الأكثر عدداً التي تشكل الحكومة المقبلة هي الكتلة التي تتكوّن بعد انعقاد مجلس النواب بدورته الجديدة، أي يراهن على تحالفه مع "الائتلاف الوطني العراقي" الشيعي (70 مقعداً) مما يؤهلهما لتشكيل الحكومة.
وبعيداً عن التجاذبات الجارية بين الكتل المتنافسة والمتحالفة لتشكيل الائتلاف الحكومي، ثمة حاجة لفهم النظام السياسي الجديد الذي أقيم في العراق، بعد احتلاله في العام 2003، على أنقاض نظام الرئيس السابق صدام حسين. وفي ما يلي قراءة أولية في أسس هذا النظام:
ولعل أهم الأسس والمرتكزات الدستورية والديموقراطية التي يقوم عليها النظام السياسي، كما حدده الدستور الجديد الذي أقرّه الشعب العراقي في الاستفتاء الشعبي، الذي جرى في 15 تشرين الأول/نوفمبر 2005، هي التالية:
* إن "جمهورية العراق دولةٌ اتحاديةٌ واحدةٌ مستقلةٌ ذات سيادة كاملة، نظام الحكم فيها جمهوريٌ نيابيٌ (برلماني) ديموقراطيٌ". (المادة الأولى).
* تتكوّن السلطات الاتحادية، من السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، وتمارس اختصاصاتها ومهماتها على أساس مبدأ الفصل بين السلطات.
*حيث أن نظام الحكم اتحادي فهو يقر بإقليم كردستان وسلطاته القائمة كإقليم اتحادي.
* يتم تداول السلطة سلمياً من خلال انتخابات حرة وعامة وسرية ونزيهة.
* الإقرار التام برفض العراقيين للظلم والاستبداد والطائفية والعنصرية وكل أشكال التمييز بين العراقيين.
* تبنّي مبادئ المساواة والعدالة والتوزيع العادل للثروة، والأخذ بمبدأ تكافؤ الفرص للجميع.
* إقرار تام للحريات العامة وحقوق الإنسان وكفالتها دستورياً وعملياً.
وفي قراءة لمواد الدستور يتبيّن أن المشرّعين العراقيين قد كتبوا الدستور على خلفية معاناتهم الطويلة مع النظام السابق.. سواء من جهة استبداده بالسلطة، وعدم الفصل الحقيقي بين السلطات، وقمعه للحريات السياسية والدينية، واضطهاد بعض الطوائف والأعراق.. أو لجهة استخدام القوات العسكرية والأجهزة الأمنية في قتل العراقيين واعتقالهم وتعذيبهم، وارتكاب المجازر الجماعية وعمليات الإبادة ضد مدن وقرى بأكملها، أو في حروب عبثية وعدوانية ضد دول الجوار.
ويمكن ملاحظة أن الدستور قد خصّص بعض المواد لتثبيت ضمانات لمكوّنات أساسية في الدولة، من جهة التأكيد على الحريات الدينية وحرية ممارسة الشعائر وحماية المقامات الدينية، وذلك على خلفية ما تعرّضت له أغلبية الشعب العراقي خلال عهد صدام حسين من اضهاد سياسي وديني وعرقي وتدمير للمقامات الدينية وارتكاب مجازر جماعية وعمليات إبادة ضد فئات من الشعب العراقي. ولذلك حرص المشرّعون على إقرار النظام الاتحادي، وتخصيص كردستان كإقليم اتحادي، وجعل اللغة الكردية لغة رسمية إلى جانب اللغة العربية.
وكذلك، قاربت مواد الدستور صلاحيات الرؤساء على خلفية تجربة النظام السابق ورئيسه المخلوع، الذي استبد بالسلطات واستولى على مقدرات البلاد وتسلّط على رقاب المواطنين، وارتكب من فساد وجرائم لا يمكن حصرها. فحرصت هذه المواد على تحديد صلاحيات الرؤساء، فحدّدت صلاحية رئيس الجمهورية ودعت إلى مساءلته ومحاسبته، ومساءلة رئيس الوزراء والوزراء ومحاسبتهم، إذا أخطأوا أو انتهكوا الدستور أو ارتكبوا جرائم.


الحريات الدينية والتعددية القومية..
ينص الدستور في مادته الثانية على أن "الإسلام دين الدولة الرسمي، وهو مصدرٌ أساس للتشريع، وأنه لا يجوز سنُّ قانون يتعارض مع ثوابت أحكام الإسلام، كما لا يجوز سن قانونٍ يتعارض مع مبادئ الديموقراطية". ويضمن الدستور الحفاظ على الهوية الاسلامية لغالبية الشعب العراقي. كما لا يجوز سنُّ قانونٍ يتعارض مع الحقوق والحريات الأساسية الواردة في هذا الدستور. كما يضمن كامل الحقوق الدينية لجميع الأفراد في حرية العقيدة والممارسة الدينية، كالمسيحيين، والإيزديين، والصابئة المندائيين. واعتبرت المادة العاشرة أن العتبات المقدسة، والمقامات الدينية في العراق، كياناتٌ دينيةٌ وحضارية، وتلتزم الدولة بتأكيد حرمتها وصيانتها، وضمان ممارسة الشعائر بحرية فيها. أما المادة 43 فأكدت على أن العراقيين أحرار في اتباع أي دينٍ أو مذهبٍ، وممارسة الشعائر الدينية، بما فيها الشعائر الحسينية، وإدارة الأوقاف وشؤونها ومؤسساتها الدينية، وعلى حماية الدولة لحرية العبادة وأماكنها.
تنص المادة الثالثة على أن العراق بلدٌ متعدد القوميات والأديان والمذاهب، وهو عضوٌ مؤسسٌ وفعال في جامعة الدول العربية ومتلزمٌ بميثاقها، وجزءٌ من العالم الإسلامي.
والمادة الرابعة تنص على أن اللغتين العربية والكردية هما اللغتان الرسميتان للعراق، وتضمن حق العراقيين بتعليم أبنائهم بلغاتهم الأم كالتركمانية، والسريانية، والأرمنية، في المؤسسات التعليمية الحكومية، أو بأية لغة أخرى في المؤسسات التعليمية الخاصة.

حقوق الإنسان والحريات السياسية والمدنية..
المادة الخامسة اعتبرت أن الشعب هو مصدر السلطات، وتُستمدُّ شرعيتها منه، يمارسها بالاقتراع السري العام المباشر وعبر مؤسساته الدستورية. وقضت المادة السادسة بأن يتم تداول السلطة سلمياً، عبر الوسائل الديموقراطية المنصوص عليها في هذا الدستور.
أما المادة السابعة، فقد حظرت أيّ كيانٍ أو نهجٍ يتبنى العنصرية أو الإرهاب أو التكفير أو التطهير الطائفي، أو يحرّض أو يروّج أو يبرّر له، وخاصة حزب البعث ورموزه، وتحت أي مسمى كان، ولا يجوز أن يكون ذلك ضمن التعددية السياسية في العراق. وشددت المادة الرابعة عشرة على أن العراقيين متساوون أمام القانون، من دون تمييزٍ بسبب الجنس أو العرق أو القومية أو الأصل أو اللون أو الدين أو المذهب أو المعتقد أو الرأي أو الوضع الاقتصادي أو الاجتماعي.
وأكدت المادة التاسعة عشرة على استقلال القضاء وتساوي المواطنين أمامه. أما المادة العشرون فقد اعتبرت أن للمواطنين رجالاً ونساءً، حق المشاركة في الشؤون العامة، والتمتع بالحقوق السياسية، بما فيها حق التصويت والانتخاب والترشيح. ونصّت المادة 37 على أنه لا يجوز توقيف أحد أو التحقيق معه إلا بموجب قرارٍ قضائي، وأكدت على حظر جميع أنواع التعذيب النفسي والجسدي والمعاملة غير الإنسانية، وأنه لا اعتداد بأي اعتراف انتزع بالإكراه أو التهديد أو التعذيب. كما كفلت الدولة حماية الفرد من الإكراه الفكري والسياسي والديني.
ونصّت المادة 38 على حرية التعبير عن الرأي بكل الوسائل، من حرية الصحافة والطباعة والإعلان والإعلام والنشر، إلى حرية الاجتماع والتظاهر السلمي... وكذا نصّت المادة 43 على حرية الفكر والضمير والعقيدة. أما المادة 39، فأكدت على حرية تأسيس الجمعيات والأحزاب السياسية، أو الانضمام اليها، وعلى عدم جواز إجبار أحدٍ على الانضمام الى أيّ حزبٍ او جمعيةٍ أو جهةٍ سياسية، أو إجباره على الاستمرار في عضويته فيها. والمادة 40 نصت على حرية الاتصالات والمراسلات، وأنه لا يجوز مراقبتها أو التنصت عليها، أو الكشف عنها، إلا لضرورةٍ قانونيةٍ وأمنية، وبقرارٍ قضائي. كما ضمن الدستور الحقوق الإدارية والسياسية والثقافية والتعليمية للقوميات المختلفة كالتركمان، والكلدان والآشوريين، وسائر المكوّنات الأخرى.



القوات العسكرية والأمنية..
ونصّت المادة الثامنة على أن العراق يرعى مبدأ حسن الجوار، ويلتزم بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، ويسعى لحل النـزاعات بالوسائل السلمية، ويقيم علاقاته على أساس المصالح المشتركة والتعامل بالمثل، ويحترم التزاماته الدولية.
أما المادة التاسعة فقد تناولت اختيار القوات المسلحة العراقية والأجهزة الامنية من مكوّنات الشعب العراقي، بما يراعي توازنها وتماثلها من دون تمييزٍ أو إقصاء، وتخضع هذه القوات والأجهزة لقيادة السلطة المدنية، على أن تدافع عن العراق، ولا تكون أداةً لقمع الشعب العراقي، ولا تتدخل في الشؤون السياسية، ولا دور لها في تداول السلطة.
كما نصّت المادة على حظر تكوين ميليشيات عسكرية خارج إطار القوات المسلحة.
ولا يجوز لعناصر وضباط القوات المسلحة الترشح في انتخاباتٍ لإشغال مراكز سياسية أو دعم مرشحين، من دون أن يعني ذلك منعهم (سلبهم حقهم) من التصويت في الانتخابات.
أما جهاز المخابرات الوطني العراقي فيقوم بجمع المعلومات، والنظر في التهديدات الموجهة للأمن الوطني وتقييمها، وتقديم المشورة للحكومة العراقية؛ ويكون هذا الجهاز تحت السيطرة المدنية، ويخضع لرقابة السلطة التشريعية، ويعمل وفقاً للقانون، بموجب مبادئ حقوق الانسان المعترف بها.
وتنص هذه المادة أيضاً على احترام الحكومة العراقية التزامات العراق الدولية، الخاصة بمنع الأسلحة النووية والكيميائية والبيولوجية، وانتشارها وتطويرها وإنتاجها، ومنع ما يتصل بتطويرها وتصنيعها وإنتاجها واستخدامها من معداتٍ ومواد وتكنولوجيا وأنظمةٍ اّتصال.

السلطات الاتحادية..
تتكوّن السلطات الاتحادية من السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، وتمارس اختصاصاتها ومهماتها على أساس مبدأ الفصل بين السلطات. وإذا كانت السلطة التشريعية تتكون من المجلس النيابي، الذي يضم 325 نائباً لمدة أربع سنوات، يجري انتخابهم على أساس الانتخاب الحر السري المباشر.. فإن السلطة التنفيذية، تتكون من رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء.. أما السلطة القضائية، فهي مستقلة تماماً عن السلطة التشريعية والتنفيذية.
ويتكون مجلس النواب من عدد من الأعضاء بنسبة مقعد واحد لكل مائة ألف نسمة من نفوس العراق، يمثلون الشعب العراقي بأكمله، يتم انتخابهم بطريق الاقتراع العام السري المباشر، ويراعى تمثيل سائر مكوّنات الشعب فيه. وحدد قانون الانتخابات تحقيق نسبة تمثيل للنساء، لا تقل عن الربع من عدد أعضاء مجلس النواب. ولا يجوز الجمع بين عضوية مجلس النواب، وأي عملٍ، أو منصبٍ رسمي آخر.

رئيس الجمهورية..
أما رئيس الجمهورية فهو رئيس الدولة ورمز وحدة الوطن، يمثل سيادة البلاد، ويسهر على ضمان الالتزام بالدستور. ومن أبرز صلاحيات الرئيس: إصدار العفو الخاص بتوصيةٍ من رئيس مجلس الوزراء، المصادقة على المعاهدات والاتفاقيات الدولية، بعد موافقة مجلس النواب، المصادقة على القوانين التي يسنّها مجلس النواب وإصدارها، دعوة مجلس النواب المنتخب للانعقاد، منح الأوسمة والنياشين بتوصيةٍ من رئيس مجلس الوزراء، قبول السفراء وإصدار المراسيم الجمهورية. ويحق لرئيس الجمهورية تقديم طلبٍ إلى مجلس النواب، بسحب الثقة من رئيس مجلس الوزراء. وولاية الرئيس أربع سنوات، وتجوز إعادة انتخابه لولاية أخرى فقط. وانتخابه يتم من خلال مجلس النواب، كون النظام نظاماً جمهورياً برلمانياً.. وليس بالانتخاب الشعبي المباشر، على غرار النظام الجمهوري الرئاسي. ويتم انتخابه بأغلبية ثلثي عدد أعضاء مجلس النواب، واذا لم يحصل أيُّ من المرشحين لهذا المنصب على الأغلبية المطلوبة، يتم التنافس بين المرشحين الحاصلين على أعلى الأصوات، ويُعلنَ رئيساً من يحصل على أكثرية الأصوات في الاقتراع الثاني.
رئيس الوزراء..
أما اختيار رئيس الوزراء، فيُكَلِّف رئيس الجمهورية، مرشح الكتلة النيابية، الأكثر عدداً في مجلس النواب بتشكيل الحكومة، خلال 15 يوماً من تاريخ انتخاب رئيس الجمهورية، ويتولى رئيس مجلس الوزراء المُكَلَّف تسمية أعضاء حكومته، خلال مدة أقصاها 30 يوماً من تاريخ التكليف. وعند إخفاق رئيس الوزراء المُكَلَّف بتشكيل الوزارة، يكلِّف رئيس الجمهورية مرشحاً آخر لرئاسة مجلس الوزراء. ولا بدّ لرئيس الوزراء من أن يعرض أسماء حكومته والبيان الوزاري على مجلس النواب، ويعد حائزاً ثقة المجلس عند الموافقة على الوزراء منفردين، والبيان الوزاري بالأغلبية المطلقة. وفي حالة عدم نيل الثقة، يقوم رئيس الجمهورية بتكليف مرشح آخر لتشكيل الحكومة، وحتى لا يمر تشكيل مجلس الوزراء في هذه الدوامة، يتشاور رئيس الجمهورية مع رؤساء الكتل النيابية في البرلمان لاختيار رئيس الوزراء.
ولا يجوز لرئيس الجمهورية والوزراء الجمع بين مناصبهم وعضوية المجلس النيابي، لذا يحاول رئيس الوزراء المُكَلَّف، بالتشاور مع الكتل النيابية الأخرى، إشراك أعضاء من خارج المجلس النيابي؛ وفي حالة اختيار وزراء أعضاء في المجلس النيابي يتم تعويضهم بأعضاء جدد من نفس قائمة كل وزير جديد ووفق تسلسل قائمته، وإذا كانت أمرأة يتم تعويضها بامرأة من القائمة نفسها. وتكون مسؤولية رئيس مجلس الوزراء والوزراء أمام مجلس النواب تضامنية وشخصية.
ويكون عمل السلطة التشريعية مراقبة سير أداء السلطة التنفيذية، فيحق لمجلس النواب مساءلة رئيس الجمهورية بناء على طلب مجلس النواب، كما يحق لمجلس النواب مساءلة رئيس الوزراء والوزراء. أو طرح موضوع عام لاستيضاح سياسة مجلس الوزراء وأدائه، أو سياسة إحدى الوزارات وأدائها، وكذلك توجيه استجواب لرئيس مجلس الوزراء أو الوزراء. كما لمجلس النواب حق سحب الثقة من رئيس الوزراء أو أحد الوزراء بالأغلبية المطلقة. والشيء نفسه بالنسبة إلى رئيس الجمهورية: فمن حق مجلس النواب إعفاء رئيس الجمهورية بالأغلبية المطلقة لعدد أعضاء مجلس النواب، بعد إدانته في المحكمة الاتحادية العليا في إحدى الحالات التالية: الحنث في اليمين الدستورية، انتهاك الدستور، والخيانة العظمى.
ورئيس مجلس الوزراء هو المسؤول التنفيذي المباشر عن السياسة العامة للدولة، القائد العام للقوات المسلحة، ويقوم بإدارة مجلس الوزراء ويترأس اجتماعاته، وله الحق بإقالة الوزراء بموافقة مجلس النواب. وأهم صلاحيات مجلس الوزراء ومهامه هي تخطيط السياسة العامة للدولة وتنفيذها، ووضع الخطط العامة، والإشراف على عمل الوزارات والجهات غير المرتبطة بوزارة، واقتراح مشروعات القوانين، وإصدار الأنظمة والقرارات، وإعداد مشروع الموازنة العامة وخطط التنمية، والتوصية إلى مجلس النواب بالموافقة على تعيين وظائف الفئة الأولى وقادة الجيش ورؤساء الأجهزة الأمنية، والتفاوض بشأن المعاهدات والاتفاقيات الدولية والتوقيع عليها.
مجلس النواب..
يدعو رئيس الجمهورية مجلس النواب للانعقاد بمرسومٍ جمهوري، خلال خمسة عشرَ يوماً من تاريخ المصادقة على نتائج الانتخابات العامة، وتعقد الجلسة برئاسة أكبر الأعضاء سناً لانتخاب رئيس المجلس ونائبيه، ولا يجوز التمديد لأكثر من المدة المذكورة آنفاً. وينتخب مجلس النواب في أول جلسةٍ له رئيساً، ثم نائباً أول ونائباً ثانياً، بالأغلبية المطلقة لعدد أعضاء المجلس، بالانتخاب السري المباشر.
وتكون مدة الدورة الانتخابية لمجلس النواب أربع سنواتٍ تقويمية، تبدأ بأول جلسةٍ له، وتنتهي بنهاية السنة الرابعة، على أن يجري انتخاب مجلس النواب الجديد قبل 45 يوماً من تاريخ انتهاء الدورة الانتخابية السابقة. كما ينتخب مجلس النواب نائبين لرئيس الجمهورية. ويتحقق نصاب انعقاد جلسات مجلس النواب بحضور الأغلبية المطلقة لعدد أعضائه. وتتخذ القرارات في جلساته بالأغلبية البسيطة، بعد تحقق النصاب.
يتمثل دور مجلس النواب بتشريع القوانين الاتحادية، والرقابة على أداء السلطة التنفيذية، وانتخاب رئيس الجمهورية، وتنظيم عملية المصادقة على المعاهدات والاتفاقيات الدولية بقانونٍ يسن بأغلبية ثلثي أعضاء المجلس، والموافقة على تعيين كلٍ من رئيس وأعضاء محكمة التمييز الاتحادية، ورئيس الادعاء العام، ورئيس هيئة الإشراف القضائي، والسفراء وأصحاب الدرجات الخاصة، ورئيس أركان الجيش ومعاونيه، وكبار قادة الجيش، ورئيس جهاز المخابرات.
كما من مهام المجلس مساءلة رئيس الجمهورية بناءً على طلبٍ مُعَلّل، وإعفائه من منصبه بالأغلبية المطلقة لعدد أعضاء مجلس النواب، وذلك بعد إدانته من المحكمة الاتحادية العليا في حال الحنث في اليمين الدستورية، أو انتهاك الدستور، أو الخيانة العظمى.
ويحق لأعضاء مجلس النواب توجيه أسئلة إلى رئيس مجلس الوزراء والوزراء، في أي موضوع يدخل في اختصاصهم، كما يحق لهم توجيه استجوابات لهم لمحاسبتهم في هذه الشؤون.
كما يحق لمجلس النواب سحب الثقة من أحد الوزراء بالأغلبية المطلقة، ويُعدُّ مستقيلاً من تاريخ قرار سحب الثقة، ولا يجوز طرح موضوع الثقة بالوزير إلا بناءً على رغبته، أو طلبٍ موقع من خمسين عضواً، إثر مناقشة استجوابٍ موجهٍ اليه.
ونصّت المادة 64 على أن مجلس النواب يُحَلّ بالأغلبية المطلقة لعدد أعضائه، بناءً على طلبٍ من ثلث أعضائه، أو طلبٍ من رئيس مجلس الوزراء، بموافقة رئيس الجمهورية؛ ولا يجوز حلّ المجلس في أثناء مدة استجواب رئيس مجلس الوزراء. ويدعو رئيس الجمهورية، عند حلّ مجلس النواب، إلى انتخاباتٍ عامة في البلاد خلال مدة أقصاها ستون يوماً من تاريخ الحل، ويُعدُّ مجلس الوزراء في هذه الحالة مُستقيلاً، ويواصل تصريف الأعمال اليومية.
ويُشكّل الدستور مقوّمات شكل نظام الحكم، والعلاقة بين الشعب وسلطاته، وبين السلطات الثلاث. ومن ثم، لا يمكن خرق أي سلطة صلاحيات سلطة أخرى، أو تجاوز أي منصب لصلاحيات منصب آخر. وفي حالة أيِّ تجاوز لسلب الديموقراطية من الشعب، تتخذ الإجراءات الكفيلة بإيقاف مثل هذه الحالة، بإعلان رئيس الجمهورية حالة الحرب أو حالة الطوارىء، وبموافقة أغلبية الثلثين من أعضاء مجلس النواب على طلب رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء.
صلاحيات السلطات الاتحادية والأقاليم..
تحافظ السلطات الاتحادية على وحدة العراق، وسلامته، واستقلاله، وسيادته، ونظامه الديموقراطي الاتحادي. وتختص بالاختصاصات الحصرية الآتية:
أولاً: رسم السياسة الخارجية والتمثيل الديبلوماسي، التفاوض بشأن المعاهدات والاتفاقيات الدولية، سياسات الاقتراض والتوقيع عليها وإبرامها، ورسم السياسة الاقتصادية والتجارية الخارجية السيادية.
ثانياً: وضع سياسة الأمن الوطني وتنفيذها، بما في ذلك إنشاء قوات مسلحة وإدارتها، لتأمين ضمان أمن حدود العراق وحمايتها، والدفاع عنها.
ثالثاً: رسم السياسة المالية والجمركية وإصدار العملة، وتنظيم السياسة التجارية عبر حدود الأقاليم والمحافظات، ووضع الميزانية العامة للدولة، ورسم السياسة النقدية، وإنشاء البنك المركزي وإدارته، إلى غير ذلك.
كما تقوم الحكومة الاتحادية بإدارة النفط والغاز المستخرج من الحقول الحالية بالتنسيق مع حكومات الأقاليم والمحافظات المنتجة، على أن توزع وارداتها بشكلٍ منصفٍ، يتناسب مع التوزيع السكاني في جميع أنحاء البلاد، مع تحديد حصة لمدةٍ محددة للأقاليم المتضررة، أو التي حرمت منها بصورةٍ مجحفة من قبل النظام المخلوع، أو التي تضررت بعد ذلك، بما يؤمن التنمية المتوازنة للمناطق المختلفة من البلاد.
ونصّ الدستور على إنشاء مجلسٍ تشريعي يُدعى "مجلس الاتحاد"، يضم ممثلين عن الأقاليم والمحافظات غير المنتظمة في إقليم. ويتكوّن النظام الاتحادي في جمهورية العراق من عاصمةٍ، وأقاليم ومحافظاتٍ لا مركزيةٍ، وإداراتٍ محلية. بغداد بحدودها البلدية، هي العاصمة، وتمثل بحدودها الإدارية محافظة بغداد. ولا يجوز للعاصمة أن تنضم إلى إقليم. ونصت المادة 117 على أن إقليم كردستان إقليم اتحادي، وعلى أن تقر لاحقاً الأقاليم الجديدة التي تؤسس وفقاً لأحكامه. ونصت المادة 119 على أنه يحق لكل محافظةٍ أو أكثر، تكوين إقليمٍ بناء على طلبٍ بالاستفتاء عليه، يقدم بإحدى طريقتين: إما بطلبٍ من ثلث الأعضاء في كل مجلسٍ من مجالس المحافظات التي تروم تكوين الإقليم، أو بطلبٍ من عُشر الناخبين في كل محافظةٍ من المحافظات التي تروم تكوين الإقليم. ويقوم الإقليم بوضع دستورٍ له، يحدد هيكل سلطات الإقليم، وصلاحياته، وآليات ممارسة تلك الصلاحيات، على أن لا يتعارض ذلك مع دستور البلاد. وتخصص للأقاليم والمحافظات حصةٌ عادلة من الإيرادات المحصلة اتحادياً، تكفي للقيام بأعبائها ومسؤولياتها، مع الأخذ بعين الاعتبار مواردها وحاجاتها، ونسبة السكان فيها.
آراء في الدستور والنظام السياسي الجديدين
تعرض الدستور الجديد للعديد من الانتقادات من موالين للنظام ومعارضين له على السواء، وأخذ عليه أنه قد كتب على عجل، فيما اتهم البعض بأنه كتبت مسوداتهم من قبل الاحتلال الأميركي. وأخذ البعض الآخر عليه بأنه كرّس الفيدرالية وأعطى الأكراد نفوذاً واسعاً وصلاحيات للأقاليم تتعارض مع صلاحيات السلطات الاتحادية، بل جعل لها حق النقض على القوانين الاتحادية التي تتعارض مع هذه قوانين الإقليم. ورأى البعض الآخر أن النظام السياسي الجديد قد كرّس الطائفية في العراق، على غرار اتفاق الطائف اللبناني الذي كرّس المحاصصة الطائفية.
ويرى الدكتور عبد الحسين شعبان، أحد الباحثين العراقيين، "أنَّ التوافقية في العراق وصلت إلى طريقٍ مسدود لأن التوافقية مرحلة انتقالية ولا يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية، إذ إنها ستتحول إلى محاصصة وتكون سبباً من أسباب البلاء في العراق إذا لم يتم الوصول إلى المواطنة واحترام جميع مكونات الشعب العراقي". ويعتبر شعبان أن القواعد التي بُني عليها الدستور العراقي الفيدرالي خاطئة، لأنَّ في الدساتير الفيدرالية يخضع القانون الإقليمي للقانون الاتحادي في حين أنَّ الأمر معكوس في العراق"، مشيراً إلى أن في الفيدراليات يكون التمثيل الديبلوماسي موحداً، أما في السفارات العراقية فهناك وحدة "لمتابعة الشؤون الثقافية والإنمائية"، ما يعتبر "سفارةً داخل السفارة". وهو يتهم الدستور العراقي بأنه كتب على عجل وبتأثير خارجي تحت إدارة رئيس مجلس الحكم السابق الأميركي بول بريمر ويشير إلى أن المسودة الأولى كتبها أستاذ القانون في جامعة هارفرد نوح فيلدمان الذي يصفه بـ"الصهيوني".
بينما يرى باحث عراقي آخر هو الدكتور فالح عبد الجبار أنَّ الفيدرالية ليست تجزئة للبلدان بل للسلطة وأن شدة المركزية تؤدي إلى نقيضها مشيراً إلى إلى أنَّ الكثير من الدول المتعددة العرقيات والقوميات اعتمدت النظام الفيدرالي. ويعتبر "أن النظام الإنتخابي الحالي المستند إلى المحافظة كدائرة انتخابية في ظل وجود غالبياتٍ طائفية من لون واحد في معظم المحافظات يدفع إلى أن يكون الصراع في داخل الطوائف والقوميات وإلى أن يصبحَ التنافس قائماً على برامج سياسية"، مشيراً إلى أن تفكك النظام السياسي في العراق أدى إلى إمساك الطوائف بالسلطة واقتسامها.
وعلى الرغم من الانتقادات الكثيرة التي توجه إلى الدستور والنظام السياسي الجديدين، إلا أنني أعتقد أنه من المبكر تقييم هذه التجربة الديموقراطية الحديثة بعد سبع سنوات فقط من سقوط النظام الاستبدادي وخمس سنوات من بدء هذه العملية الديموقراطية، والتي واجهت معارضة سياسية وعسكرية من الداخل وعمليات إرهابية مستمرة من تنظيم القاعدة وبقايا حزب البعث، إلى معارضات وممانعات دول الجوار، التي تخشى من هذه تداعيات هذه العملية الديموقراطية على أنظمتها السياسية وتركيبتها الداخلية الطائفية. كما أن الاحتلال الأميركي لا يزال موجوداً في العراق، وتدخلات القوى الإقليمية والدولية مستمرة في العملية السياسية، وخصوصاً بشأن تشكيل الحكومة الجديدة، وهي أمور تجعل من الظلم تقييم هذه التجربة بمعزل عن قراءة التأثيرات الإقليمية والدولية على الواقع السياسي والأمني في العراق.
لكن الإيجابية الأبرز في الوضع العراقي هو في تكريس مبدأ الانتخابات الحرة وتداول السلطة على الرغم من وجود الاحتلال وكل الثغرات والتجاوزات والانتهاكات في عمليات الاقتراع وفرز النتائج إلى الخلافات بشأن تشكيل الحكومة. كما أن إقرار الحريات والحقوق المدنية والتعددية السياسية والقومية والدينية التي كرّسها الدستور الجديد هي من أهم الإصلاحات في النظام السياسي العراقي، وهو إنجاز ينبغي المحافظة عليه.

Comments

Popular posts from this blog

مقامات الأنبياء والرسل في لبنان

واقع المحاكم الجعفرية في لبنان في حوار شامل مع العلامة الشيخ حسن عواد

جذور التاريخ العثماني - الصفوي (1500 - 1555)