بين السيئ والأسوأ... فتش عن خطاب الكراهية- جعفر الجمري

في مقولة فرانسيس هربرت برادلي: «عندما يسوء كل شيء، فمن الخير أن نعرف الأسوأ»، تقدم صورة وواقعا نعيشه لا يقبل التأويل على امتداد الجغرافية العربية عموما، وجغرافيتنا خصوصا. لا شيء يدفع إلى الإساءة للواقع وبشره وبسرعة مذهلة واحتواء كاحتواء النار للقش مثل خطاب الكراهية الذي يسود بعض مجتمعاتنا.

كل القلاقل والأزمات والتقسيمات المصطنعة التي عانتها شعوب الأرض بدأت من خطاب الفصل بين المكونات بما يتضمنه من كراهية معلنة وشحن وتحريض حتى على القتل والإبادة، بدءا بالحروب الدينية في أوروبا بين الكاثوليك والبروتستانت، وليس انتهاء بما نشهده من «بروفات» بدأت فعل حروبها وتقسيمها وجهنم الانشطار الجاهزة التي تسعى إليها مجاميع ذلك الخطاب.

***

يمكنك احتواء مرحلة ودرجة السيئ؛ لكن انتقالا وتطورا وقفزا إلى الأسوأ يجعل الأمر أكثر تعقيدا وصعوبة، من دون أن ينفي إمكانية الحد من امتداده وخطورته بالتعقل وصدق التوجه والمبادرات التي تقرأ الحالة في عمومها لتضع المخارج والحلول والوقوف على أرضية مشتركة فيما يمكن التلاقي فيه وحوله. ولن يتم ذلك بالتوازي واستمرار خطاب الكراهية إياه في لعب دور المشوش على مثل تلك المبادرات، والناسف لكل مخرج وأفق حل يمكن التلاقي عنده.

***

تمر الأمم بأزماتها الخاصة وإشكالاتها العميقة أحيانا؛ ولكنها تتجاوز كل ذلك، ما لم تطل برأسها عوامل ومؤثرات تعمق من تلك الأزمات والإشكالات. من ضمن تلك العوامل والمؤثرات أطياف وشرائح وجهات ليس من مصلحتها حدوث أي استقرار في البيئة التي تتحرك فيها وتعتاش من أزماتها وإشكالاتها. لا شغل ولا دور ولا قيمة ولا تأثير ولا معنى لها يمكن أن يتحقق في الحياة بعيدا عن التكسب والتمصلح من بيئة بتلك المواصفات. ولا سلاح أمضى لديها، ويمكن له أن يحدث تأثيرا ونتائج، من سلاح رفع وتيرة خطاب كراهيتها وتحريضها والتهويل من صورة وحقيقة الواقع، وتصنع التهديد والخطر من مكون على آخر.

***

ما يجعل السيء أسوأ، هو الصمت والتماهي مع ذلك الخطاب؛ وخصوصا حين يجد خطاب الكراهية سقفا وضوءا أخضر ممن يمسك بزمام الأمور، فهذا السكوت غطاء لمثل ذلك الجنون ودافعا ومغذيا له بالسكوت من جهة، وإتاحة المنابر له من جهة أخرى.

***

ما يجعل السيئ أسوأ في أي أمة من الأمم، هو المحفزات والمنبهات إلى تعقيد أمورها وضرب علاقاتها واستهداف مكوناتها واللعب على خطاب هو بمثابة إيذان بنسف أي صورة من صور التعايش والتقارب، في خطوة تهدف إلى استلاب الواقع واختطافه والأخذ به إلى المجهول.

***



في الصورة: د. هيثم مزاحم

يرد في مقالة هيثم مزاحم «المؤمن الصادق: لماذا يصبح الإرهابي إرهابيا»، في صحيفة «الحياة» العدد 17795، يوم السبت (24 ديسمبر/ كانون الأول 2011): «والاعتقاد بالواجب المقدس تجاه الآخرين كثيرا ما يكون طوق النجاة لإنقاذ الذات من الغرق، وعندما نمد يدنا لإنقاذ الآخرين فنحن في حقيقة الأمر نبحث عن يد تنتشلنا».

مثل ذلك النص في المقالة لا يفهمه ولا يريد أن يفهمه الذين يتصدرون خطاب الكراهية في العالم كل العالم؛ لأنهم مرضى في ذواتهم، والمريض في ذاته لا تتاح له مثل تلك الالتفاتة الإنسانية - مجرد الالتفاتة - إلى ذوات الآخرين؛ عدا الحديث عن الاعتقاد بالواجب المقدس تجاه النظر إلى المختلف معهم.

***

في حالنا الراهنة، لا يمكن أن نصل إلى طريق مفتوحة على التقاء قيم ومشترك في المعاني التي نجتمع وإياها في تعاطينا وعلاقتنا بأوطاننا، إذا ما استمرت المكنة التحريضية بخطابها الكريه والقميء، الذاهب في تصاعده يوما بعد يوم، ولا يمكن للمشكلات والأزمات أن تجد أفقا من حل إذا ما استمر الخطاب نفسه في تخوين مكون رئيس وأصيل. مكون لم يهبط بمظلة من كوكب مجهول.

***

وحين تترك أي دولة خطاب الكراهية يرتع في توهم أنها تكون بمنأى عن التهديد والاحتواء من نتائجه وتداعياته، تكون بذلك لم تحسب حساباتها كما يجب، وتكون بذلك تفتح على نفسها واحدا من أخطر جهات ومنافذ التهديد لوجودها قبل التهديد الذي تتعرض له مكوناتها.

***

وعودة إلى جزء من عنوان مقالة هيثم مزاحم: «لماذا يصبح الإرهابي إرهابيا» لنشير إلى أن خطاب الكراهية ذاك توغل في الإرهاب، والساكت عنه شريك فيه



جعفر الجمري

صحيفة الوسط البحرينية - العدد 3397 - الإثنين 26 ديسمبر 2011م الموافق 02 صفر 1433هـ

Comments

Popular posts from this blog

مقامات الأنبياء والرسل في لبنان

واقع المحاكم الجعفرية في لبنان في حوار شامل مع العلامة الشيخ حسن عواد

جذور التاريخ العثماني - الصفوي (1500 - 1555)