إيران.. التيارات- ولاية الفقيه- الإصلاح- النفوذ الإقليمي فقه البازار

إيران.. التيارات- ولاية الفقيه- الإصلاح- النفوذ الإقليمي







فقه البازار
في مايو (أيار) الماضي، شَكَّل قرار المُرشِّد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية، السيِّد علي خامنئي، وقف تنفيذ موافقة الرئيس أحمدي نجاد على استقالة وزير المخابرات حيدر مصلحي، منعطفًا مثيرًا أعاد للأذهان الحديث عن الازدواجية في النظام الإيراني، وتداخل الصلاحيات و التساؤلات حول ولاية الفقيه، ونظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية.


فقه البازار.. والصواريخ

المؤلف: مجموعة باحثين.
الناشر: مركز المسبار للدراسات والبحوث.
السنة: أبريل/ نيسان 2011.

يذكر الباحثون أنّ المرشد خامنئي مرّ إبّان توليه لرئاسة الجمهورية ( 1989) بمواقف مشابهة، حينما انتقد وزير العمل الذي لجأ إلى الخميني – المرشد الأعلى حينها- لتمرير قوانين خاصة دون أن تجيزها الهيئة التشريعية، فأجازها الخميني، و استغل الوزير إجازة الخميني، وحينما انتقد خامنئي ذلك في خطبة الجمعة، هاجمه الخميني (المرشد) بخطاب شديد اللهجة، أكّد فيه أن ولايته مطلقة، وهو ما استقرّ عليه الدستور الإيراني.
نقرأ هذا في كتاب مركز المسبار للدراسات والبحوث في دبي، الذي أصدره في شهر نيسان (إبريل) 2011، بعنوان إيران (التيارات- ولاية الفقيه- الإصلاح- والنفوذ الإقليمي)، و شارك فيه أكاديميون من إيران والعالم العربي والغرب، واحتوى على عشر دراسات تناولت جوانب مهمة في الفكر السياسي الإيراني.
يشير الكتاب إلى أنّ الفكر السياسي الإيراني يرتكز على الفكر الشيعي، فيمضي في رصد تطور النظريات فيه، وفي التاريخ السياسي الشيعي تشكل غيبة الإمام المهدي الكبرى المحرّض الأساسي للنظريات السياسية، فعلى الرغم من أن بعض الفقهاء الشعية حصر ولاية الفقيه على الأمور الحسبية فقط، إلا أنّ نفوذ بعضهم تغوّل ليشمل الجوانب السياسية العرفية.
الفقهاء الذين يرون لأنفسهم الحقّ في النيّابة عن المهدِّي في عصر الغيبة في إقامة النظام العام، و منهم النائيني الذي أسس لقاعدة الشرعية (الإلهية- الشعبية)، و الفقهاء الذين ساندوا فكرة الدولة والحكومة المشروطة، كان لهم دور كبير في إنجاح الثورة الدستورية 1906 في إيران.
ولاية الفقيه



إيران.. التيارات- ولاية الفقيه- الإصلاح- النفوذ الإقليمي

يذكر تفاصيل ذلك هيثم مزاحم في دراسته التي تناولت “تطور الفكر الشيعي من نظرية الحكومة المشروطة إلى نظرية ولاية الفقيه”، يشير مزاحم إلى أن نظرية ولاية الفقيه جاءت في أعقاب انحسار التيار الأخباري في الفقه الشيعي، فطرح النراقي (ت 1244) نظرية النيابة العامة بعنوان “ولاية الفقيه”، فأثارت نقاشات حامية.
أما الدور الأبرز في تاريخ النظرية فكان للخميني الذي أصّل للولاية بأن “للفقيه العادل جميع ما للرسول والأئمة، مما يرجع إلى الحكومة والسياسة”، فمنح الولي الفقيه أعلى سلطة دستورية، طوّرها لتكون ولاية مطلقة.
تناول الكتاب أيضًا نظرية “ولاية الفقيه الانتخابية المقيّدة”، و”الولاية المحددة”، اللتين تقدران أن الناس هم الذين ينتخبون الفقيه وأنّ وظيفة الفقيه كمفكّر هي الإشراف على تنفيذ السياسات المتبناة، والإشراف على رئيس الحكومة الذي ينفذ السياسة الإسلامية.
السطوة الاجتماعية في الاجتماع الشّيعي تكون لمراجع التقليد، لذلك تُمثل العلاقة بين المراجع و الولي الفقيه، منطقة بالغة الأهمية والتعقيد، وهو ما كشفه الباحث محمد شقيره، فرصد الجدل حول المفهوم والتجربة التاريخية، التي أكّدت قوة تأثير المرجعية عبر تجارب مثل فتوى التنباك التي رضخت لها حكومة الشاه، و ثورة الخميني الذي غيّر نظامًا انطلاقًا من مرجعيته.
حاول شقير كشف العلاقة بين المرجعية، بمعناها التقليدي، وولاية الفقيه المطورة، فالخميني قبل الثورة كان يقود تيارًا للإطاحة بالنظام، ويبدي امتعاضه من مواقف بعض المرجعيات الدينية وعلماء الدين. وبعد الثورة كان رأى الولاية المطلقة للفقيه، في حين لا يرى بعض أولئك المراجع تلك الولاية للفقيه، ولكنه بوصفه مرجعًا و وليًا فقهيًا، كان يستغل الجمع بين الولاية والمرجعية لإذابة الخلافات، و حرص على تضمين دستور النظام الإسلامي آنذاك قضية المرجعية، لتكون المرجعية توأماً للنظام، إدراكًا لكونها مؤثرًا اجتماعيا وسياسيا بالغ الأهمية.
لم تكن إشكالية التعارض مطروحة بشكل كبير أثناء حياة الإمام الخميني، فمرجعيته معروفة في المراحل الأخيرة من الثورة، وإبّان قيادته للنظام الإسلامي، ولكن الإشكالية بدت بعد وفاة الخميني. وكانت تمثل خطورة من الناحية النظرية: ففصل المرجعية عن الولاية، أو تجريد الولي الفقيه من صفة المرجعية، سوف يؤديان إلى إضعاف الثقل القيادي الموجود لدى الولي الفقيه لحساب المرجعية التقليدية، وما يعنيه ذلك من إمكانية لبروز تعارض بين ولاية الفقيه والمرجعية، تداركًا لذلك حاول و يحاول النظام الإيراني تثبيت مرجعية خامنئي، ولكن السؤال يبقى مفتوحًا وماذا بعد خامنئي!
ماذا عن التيارات السياسية في إيران، والتطور السياسي في إيران، هذا ما أماط اللثام عنه، المستشار السابق للخارجية والأكاديمي الأردني نبيل العتوم، فرصد التطور السياسي في إيران ما بين 1980-1993. فبعد انطلاق إيران بعد الثورة بقيادة الخميني، وفي بداياتها التأسيسية أطاح الخميني بالرئيس الجديد للوزراء مهدي بازرقان عند إعداد الدستور الإيراني، لإصراره على مواد مدنية في الدستور، وكان الخميني يريد تركيز سلطة الولي الفقيه.
حدّد العتوم المصادر التي تحرك وتوجِّه السياستين الداخلية والخارجية، وهما كتاب: الحكومة الإسلامية للخميني، والدستور السياسي الإيراني. أما السياسة الخارجية فتقوم على، إما على البراغماتية، أو نظرية السعي لجعل إيران مرجعًا للروح الإسلامية. يشير الكاتب إلى أن إيران توظف المذهب حسب مصلحتها، بما يوافق مصلحتها القومية.
وفي دراسة للباحثة اللبنانية ريتا فرح عن النفوذ الإقليمي لإيران أشارت الباحثة اللبنانية، إلى رغبة الخميني في تشكيل نفوذ قوي، وتصدير الثورة إلى جيرانه، وتأسيس الدولة الإسلامية الكبرى، وإن كانت هذه النبرة خفتت في السنوات التي تلت موت الخميني، إلا أنها عادت مع الرئيس نجاد، الذي استغل ثغرات في السياسة العربية ليلعب دورًا مهمًا في ملفات الشرق الأوسط، لا يضاهيه في نفوذه إلا تركيا، ولكن الباحثة تشير أيضًا إلى أن إيران – بالرغم من التحصين- إلا أنها تبدو عاجزة إلى الآن عن مواجهة أسئلة الداخل، حول الحداثة، والهوية وغيره، مشيرة إلى خلاف بين أبناء الثورة.
وتناول الكتاب بالتفصيل الحرس الثوري الإيراني، تشكيلاته وتكويناته. كما تناول هادي نعيمة حزب كوادر البناء وتاريخ تأسيسه وعلاقته بهاشمي رفسنجاني.


الامام الخميني

أبرز المحطات كانت تتناول مكونات التيار الإصلاحي الإيراني، تناولها الباحث الإيراني مجيد مرادي، وهي أحزاب وجماعات دعمت السيد خاتمي في انتخابات 1997، مثل منظمة مجاهدي الثورة الإسلامية، و جمعية علماء الدين المناضلين، و جبهة المشاركة لإيران الإسلامية، حزب الثقة الشعبية (حزب اعتماد ملي)، وغيرها. تناولت الدراسة الإصلاح كخطاب سياسي بناه أهله على مفاهيم الجمهورية والشعب، و يركز علی المشاركة السياسية، وكان يبحث عن الشرعية عبر المشاركة الشعبية، و الإرادة الحرة، كان هذا الخطاب السياسي يستعين بالخطاب الفكري الديني الذي انطلق منذ سنة 1991 من مجلة “كيان”، والذي كان مدرسة للإصلاح الفكري، وكان يتركز علی التعددية الدينية والديمقراطية السياسية وإخراج قضية الفهم من حكر علماء الدين.
بعد تولي خاتمي السلطة ضيّق عليه اليمين منافذ التغيير عبر سلطات المرشد الأعلى، فتضاءلت حظوظ الإصلاح في نهاية فترته الثانية، وتلاشى برحيل خاتمي، لكنه عاد مرة أخرى في المظاهرات الشعبية بعد الانتخابات الرئاسية سنة 2009 اعتراضا على التزوير الواسع لنتائج الانتخابات، واستقطب كثيراً من التكتلات السياسية المعارضة في الداخل والخارج بخطاب جديد تجميعي مختلف، وليس من المستبعد عودته إلى الحياة السياسية مجدداً.
لماذا لا يستبعد عودته مجددًا؟ هذا ما أجاب عنه بشكل غير مباشر الخبير والأكاديمي العالمي الدكتور أديب أرشين، حينما رسم الجغرافيا السياسية للمعارضة في إيران. قدم أستاذ السياسة والعلاقات الدولية في جامعة لندن دراسة تناولت المعتقدات الأيديولوجية المتعلقة بالثقافة السياسية في إيران، وعدّ الحركة الخضراء صورة لإرادة جماعية تؤيد الإصلاح في إيران.
تناول المقال الفاعلية السياسية في إيران المعاصرة، و إرهاصات الثورة والمشهد السياسي القائم. أشار الكاتب إلى أن تمايز الجغرافيا السياسية، إلى مجموعات مختلفة متنافسة، قلل من قدرة أي مركز للقوى في البلاد على تنفيذ سياسات تحظى بما هو مطلق من الإجماع. فتشير الانقسامات المتواصلة، من جهة، بين البرلمان الإيراني، الذي يهيمن عليه المحافظون “القدامى””، ومكتب الرئيس أحمدي نجاد إلى الكثير من الرفض لسياسات الإدارة الحالية ومؤيديها، لا من قبل الإصلاحيين فحسب، بل من قبل شخصيات محافظة أيضا مثل علي لاريجاني مثلا.
وحتى مكتب المرشد الأعلى، يتعرض للضغوط بعد تأييده الصريح للرئيس و القمع العنيف للاحتجاجات في صيف 2009. فالحركة الخضراء تجسِّد النتاج الأخير للمطالب السياسية والاقتصادية – الاجتماعية العائدة لطبقات مؤثرة في المجتمع الإيراني.
وتمثل الحركة الخضراء انبعاثاً لحركة “الثاني من خرداد”، التي اتخذت اسمها من تاريخ انتخاب الرئيس السابق خاتمي في العام 1997. ويبدو في حراكها ملامح الثورات الإيرانية كلها ابتداءً من ثورة التبغ 1891، والحركة الدستورية (1906) و غيرها من الثورات التي رفعت شعارات اجتماعية ضد الاستبداد.

التطهير

مشهد آخر غطّاه الكتاب، وهو المشهد الثقافي، الذي أفرزته الثورة الإسلامية، فقد قامت فيه ثورتان ثقافيتان (1980- 1982 و2005- 2010) لدعم عمليات الأسلمة، تناولهما الباحث الإيراني مجيد محمدي، فبعد انتصار الثورة قال الخميني في اليوم الأول للثورة: “يجب أن تقوم ثورة رئيسة في الجامعات كافة عبر البلاد للتخلص من الأساتذة المرتبطين بالشرق والغرب”، مبشرًا بهذا التطهير.
وكانت الثانية في عهد نجاد، فقارن الباحث بين الثورة الأولى والثورة الثانية، فالثورة الأولى من الناحية الأيديولوجية مثلت سطوة رجال الدين، وكانت رد فعل على التسيس المركز للجامعات حينها، وهدفت تطهيرها من التأثيرات الأجنبية، وتعزيز سطوة رجال الدين عليها، فأكسبت العلوم طابعًا محليًا، وكان أبرز المتضررين منها أهل اليسار والليبراليين، كُونِت لها مكاتب مثل التعاون مع الحوزات، والجهاد الجامعي، وممثلي القائد.
أما الثورة الثانية في عهد الرئيس نجاد كانت عسكرية، وجاءت رد فعل على طغيان الثقافة العلمانية بين الشباب، فكنست بعنف الخصوم من الجامعات، وعززت الحكم العسكري على نمط الطالبان، وفصلت بين الجنسين، تضرر منها الإصلاحيون، أفرزت هيئات مثل الطلاب الباسيجيين.
و احتوى الكتاب أيضًا على عرض لكتاب الفكر السياسي الإيراني (جذوره، روافده، أثره) و هو صادر عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.
عرض الكتاب تطور الفكر السياسي الإيراني والشيعي منذ القديم إلى العام 2000. وصل إلى نتيجة مهمة أن الفكر السياسي الإيراني يصنعه “البازار”، بصفته أحد الأشياء التي تصنع اليمين واليسار، والتقليد والتجديد، أي أن لغة المصالح لا تغيب،
وبحسب المؤلف فإن التوجه نحو التغيير دون الالتفات إلى مصالح القوى المؤثرة والفاعلة في أهم مؤسستين في إيران (المؤسسة الدينية – البازار)، وغياب التفاهم، وفقدان الثقة بين مختلف القوى الفاعلة في إيران، والتفرد بقراءة خاصة وأحادية للسلطة دون الأخذ في الاعتبار قراءات القوى الأخرى ورؤاها الفكرية، كلها تعتبر من أهم المعضلات التي تقف حائلاً دون ظهور مشاركة سياسية فاعلة وحقيقية في إيران.

عمر البشير الترابي

باحث وكاتب سوداني.عمل في مركز الاتحادي للدراسات والبحوث، ترأس تحرير مجلة الاتحاد الطلابية بجامعة الشارقة، ، يكتب مقالاً أسبوعياً بصحيفة الصحافة السودانية. شارك في عدد من كتب المسبار بدراسات مثل: استخدام حركات العنف الإسلامية للنساء والأطفال، الصوفية في السودان قراءة في التاريخ و الحاضر

Comments

Popular posts from this blog

مقامات الأنبياء والرسل في لبنان

واقع المحاكم الجعفرية في لبنان في حوار شامل مع العلامة الشيخ حسن عواد

جذور التاريخ العثماني - الصفوي (1500 - 1555)