خلفيات القرار السعودي بمعاقبة المشاركين في القتال خارج السعودية

بقلم: د. هيثم مزاحم

أثار إصدار العاهل السعودي عبدالله بن عبدالعزيز أمراً ملكياً يقضي بسجن كل من يشارك في أعمال قتالية خارج السعودية، أو الانتماء إلى تيارات أو جماعات دينية أو فكرية متطرفة، أو منظمات مصنفة إرهابياً، تساؤلات حول خلفية القرار وتوقيته، وإن كان رسالة موجهة إلى الداخل السعودي فقط أم للخارج أيضاً.
ويستهدف الأمر الملكي التنظيمات الإسلامية و"الجهادية" المتطرفة كتنظيم القاعدة وفروعه والإخوان المسلمين والسرورية وجماعة "التبليغ". كما يمكن أن يستهدف المعارضة الإصلاحية السنّية والشيعية.

ويمكن تلخيص أبرز بنود الأمر الملكي بالنص على عقوبة السجن مدة لا تقل عن 3 سنوات ولا تزيد على 20 سنة لكل من يشارك في أعمال قتالية خارج المملكة بأي صورة كانت، ومن انتمى إلى التيارات أو الجماعات الدينية أو الفكرية المتطرفة أو المصنفة كمنظمات إرهابية داخلياً أو إقليمياً أو دولياً، أو تأييدها أو تبنّي فكرها أو منهجها بأي صورة كانت، أو الإفصاح عن التعاطف معها بأي وسيلة كانت، أو تقديم أي من أشكال الدعم المادي أو المعنوي لها، أو التحريض على شيء من ذلك أو التشجيع عليه أو الترويج له بالقول أو الكتابة بأي طريقة. أما إذا كان مرتكب أي من الأفعال المشار إليها في هذا البند من ضباط القوات العسكرية أو أفرادها، فتكون العقوبة السجن مدة لا تقل عن خمس سنوات ولا تزيد عن ثلاثين سنة.
يقول مراقبون إن الأمر الملكي يهدف بالأساس إلى قطع الطريق على المموّلين السعوديين للتنظيمات الجهادية المتشددة، وعلى الشيوخ والدعاة الذي يتبنّون أفكار تلك التنظيمات ويدعون الشباب السعودي إلى الانضمام إليها تحت بند "الجهاد". فالمملكة التي تتخوف من النشاطات التي قد يلجأ إليها السعوديون العائدون من سوريا، قامت بخطوة استباقية لتحجيم تحركات هؤلاء على أراضيها في المستقبل.
وأشارت صحيفة "الوطن" السعودية إلى أن "الملك السعودي عبدالله بن عبد العزيز، عندما يصدر أمراً ملكياً، يضع سداً منيعاً في وجه صناع الموت والحزبية والفرقة من منطلق الشعور بخطرهم وحرصاً على أمن البلد واستقراره"، معتبرةً ان "الأمر الملكي القاضي بمعاقبة كل من يشارك في الأعمال القتالية خارج السعودية بالسجن، جاء إستشعاراً للخطر المتربص بالسعودية من خلال تجنيد هذه الجماعات المتطرفة والخلايا النائمة للمغرر بهم من أبناء الوطن". 
وتعاني المملكة من تصاعد نفوذ التيارات المتشددة والمرتبطة بتنظيم الإخوان المسلمين في الداخل، بالتزامن مع زيادة حدة النشاطات الإرهابية التي يقودها تنظيم القاعدة في العراق وسوريا ولبنان وصحراء سيناء في مصر. وازداد نفوذ تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام"، المعروف بـ"داعش"، مؤخراً في كل من سوريا والعراق، ما شكّل مخاوف كبيرة من إمكانية تمدد هذا النفوذ إلى داخل دول مجلس التعاون الخليجي، التي يشكل الدعم المالي من قبل الأثرياء المتشددين فيها جزءاً هاماً من التمويل الذي يصل إلى تلك التنظيمات، بمختلف أجنداتها.
ولا توجد أرقام محددة عن أعداد السعوديين الذين يشاركون في القتال في سوريا، لكن مواقع التواصل الاجتماعي تعلن من حين إلى آخر عن مقتل أحدهم هناك. وبينما تقدر مصادر دبلوماسية غربية أعداد السعوديين الذين يقاتلون في سوريا بما لا يقل عن أربعة آلاف مقاتل، أكدت صحيفة "الوطن" مؤخراً أن 1400 سعودي يشاركون في الحرب السورية، غالبيتهم من صغار السن، معتبرة أن هذا الرقم صغير إذا ما قورن بإجمالي أعداد المقاتلين الأجانب والمقدّر بعشرين ألفاً. 
وكشفت صحيفة "لو فيغارو" الفرنسية قبل أيام أن 250 سعودياً قتلوا في سوريا من بين 2000 انضموا للقتال في صفوف الجماعات المسلحة المعارضة، وتحديداً تلك المرتبطة بتنظيم "القاعدة". وذكر التقرير أنّ بعض المتطوعين أطلقوا من السجن شرط الذهاب إلى سوريا، غير أنه منذ عام، تضاعف السلطات تحذيراتها للسعوديين الذي يميلون إلى الانضمام للجماعات المسلحة السورية. وأشارت الصحيفة إلى أن المهمة صعبة، حيث يجري تمويل بعض المجموعات الجهادية من المملكة، إضافة إلى الدور الذي أدّاه رئيس الاستخبارات السعودية الأمير بندر بن سلطان". واعتبرت أن وجود الأمير بندر في مستشفى أميركي منذ ثلاثة أسابيع بعد فشله في إطاحة الرئيس بشار الأسد كما تعهّد، يتزامن مع صدور القرار الملكي، الذي قد يكون "أولى نتائج إخراج بندر من دوائر القرار.
ويأتي القرار الملكي بعد اتهام حزب الله للأمير بندر بالوقوف وراء عدد من التفجيرات الإرهابية في لبنان، أبرزها التفجير الانتحاري المزدوج الذي استهدف السفارة الإيرانية في 19 نوفمبر الماضي، إضافة إلى الاتهامات العراقية والسورية للرياض بتمويل ودعم الجماعات المسلحة والإرهابية التي تقاتل ضد نظامي البلدين.
ويرى بعض المحللين أن القانون الجديد هو جزء من محاولات يائسة لمواجهة التحديات الداخلية والإقليمية الخطيرة التي تواجهها المملكة في ظل انتفاضات "الربيع العربي" والفوضى التي سبّبها في أكثر من دولة في المنطقة من مصر وليبيا واليمن والبحرين إلى الحرب الأهلية في سوريا والتوترات المذهبية والتفجيرات الإرهابية في العراق ولبنان.
فعلى المستوى المحلي، يبدو أن الحكومة السعودية عازمة على معاقبة ليس فقط المتطرفين ولكن أيضاً الإسلاميين "المعتدلين" الذين تخشى الحكومة السعودية قيامهم بتحركات معارضة واحتجاجات ومطالبات بإصلاحات ديموقراطية تأثّراً بثورات "الربيع العربي". فبعدما دعمت الرياض الانقلاب العسكري – الشعبي المصري ضد حكم الإخوان المسلمين عام 2013، بدأ العديد من المتعاطفين السعوديين مع جماعة الإخوان المسلمين في انتقاد حكومتهم بسبب استمرارها في دعم الحكم العسكري في مصر. 
على المستوى الإقليمي، جاء المرسوم الملكي في الوقت الذي تواجه فيه السعودية انتقادات بسبب دعمها المتواصل للجماعات المتمردة في سوريا وتقارير عن مشاركة السعوديين في القتال إلى جانب المقاتلين المتطرفين هناك. وقد وجهت الحكومتان السورية والعراقية وحزب الله اتهامات للسعودية بتمويل وتسليح الجماعات المسلحة المتطرفة الناشطة في هذ البلدان وبالتفجيرات التي تقوم بها في العراق وسوريا ولبنان.
وفي محاولة لتغيير هذه الصورة، يسعى المرسوم الملكي أن يرسل رسالة إلى الغرب أن السعودية جادة في محاربة الإرهاب، بعد فشل السياسة السعودية في استخدام "الجهاديين" كذراع لسياستها الخارجية في سوريا والعراق ولبنان، بسبب عدم القدرة على السيطرة على المقاتلين المتطرفين من جهة، واحتمال عودة البعض منهم إلى البلاد والقيام بأعمال إرهابية ضد المملكة وقادتها، أو نشر الفكر المتمرد على حكم آل سعود من جهة أخرى. وعليه، يريد النظام السعودي أن يظهر للعالم أن "الجهاديين" السعوديين في الخارج غير تابعين له وليسوا تحت سيطرته، لأن ذلك يعفيه من أي مسؤولية لاحقاً. 
ولا شك أن الحكومة السعودية، التي يأتي أوباما بإرضائها وطمأنتها بشأن الانفتاح على إيران، تحاول من جهتها طمأنة واشنطن أنها لا تدعم الجهاديين الإرهابيين في سوريا أو العراق أو لبنان، حتى لا يشكل ذلك لها حرجاً في حال قيام أي سعودي بأعمل إرهابية على غرار الحرج الذي تسبب به 15 سعودياً من أصل 19 نفذوا هجمات 11 سبتمبر 2011 ضد برجي التجارة العالمي ومبنى وزارة الدفاع الأميركية(البنتاغون).
لكن كثيرين في السعودية ليسوا مقتنعين تماماً أن المجتمع وحده يجب أن يكون مسؤولاً عن هذا الاتجاه الجهادي، فالحكومة المؤسسة الدينية الموالية لها ورجال دين آخرون قد شجعوا السعوديين على السفر لدعم إخوانهم المسلمين في الخارج. وحاولت بعض الصحف السعودية مؤخراً كقتحميل بعض رجال الدين المستقلين المعروفين مسؤولية الدعوات للجهاد في سوريا.  

ويأتي الأمر الملكي قبل نحو شهر من زيارة الرئيس الأميركي باراك اوباما الى السعودية لإجراء محادثات مع الملك عبدالله بن عبد العزيز تتناول العلاقات الاستراتيجية بين الولايات المتحدة والسعودية، والتعاون الثنائي لتطوير المصالح المشتركة المرتبطة بأمن الخليج والمنطقة والسلام في الشرق الأوسط ومكافحة التطرف. 
يرى المعارض السعودي فؤاد ابراهيم إنه لا يصدر أمر ملكي في السعودية إلا حين يتعلق بإعفاء أمير أو تعيينه، أو بأمر له صلة بقضايا سيادية تتطلب قراراً من أعلى سلطة في الدولة. ويضيف أن الأمر الملكي الصادر الاثنين الماضي يشير إلى أن القضية تتجاوز سلطة الحكومة، وتستوجب "تعهّداً خطيّاً" من الملك نفسه. ويكشف إبراهيم أن القرار الملكي جاء نتيجة الضغط الأميركي، والتهديد بإلغاء زيارة أوباما للسعودية، حيث عرض مسؤولون أميركيون على السعوديين ملفاً ضخماً نهاية العام الماضي يشتمل على وثائق دامغة تدين ضلوع السعودية في الإرهاب الذي يضرب العراق وسوريا ولبنان واليمن، وصولاً الى روسيا. ويؤكد إبراهيم وجود الكثير من الأدلة على ضلوع المؤسسات السعودية السياسية والاعلامية والدينية في هجرة آلاف السعوديين الى "الجهاد" في سوريا، وإلا كيف نفسّر مشاركة مئات العسكريين في القتال هناك، مع أن هؤلاء لا يمكنهم السفر إلى الخارج إلا بإذن خاص من القيادة العسكرية، مشيراً إلى ازدواجية في الخطاب السعودي، بيت إدانة للإرهاب في العلن ودعمه في الخفاء.
رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي وصف القرارات السعودية في مواجهة "الإرهاب"، بأنها جيّدة. وقال إن "السعودية انتبهت مؤخراً الى خطر الإرهاب، وأصدرت الأحكام بحق الذين تثبت إدانتهم بالإرهاب، حيث نعتبر هذه الخطوة جيدة، لكنها متأخرة". 

Comments

Popular posts from this blog

مقامات الأنبياء والرسل في لبنان

واقع المحاكم الجعفرية في لبنان في حوار شامل مع العلامة الشيخ حسن عواد

جذور التاريخ العثماني - الصفوي (1500 - 1555)